صرف الزكاة لموقع دعوي

حياكم الله شيخنا الكريم، نحن موقع دعوي ونقوم على تصوير محاضرات للعلماء والدعاة، ونستخدم أدوات تصوير مثل كاميرات وكشافات إضاءة وغيرها من مهمات التصوير.
هل يجوز التبرُّع لنا من أموال الزكاة للإنفاق على هذه الأمور وغيرها من الأمور التي تخص الدعوة وتُعين عليها عمومًا؟ بارك الله فيكم وجزاكم عنا خيرًا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فقد صدر قرار المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي بدخول أعمال الدعوة إلى الله عز وجل وما يُعين عليها في مصرف في سبيل الله، ونص القرار ما يلي:
بعد تداول الرأي ومناقشة أدلة الفريقين قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
1- نظرًا إلى أن القول الثاني قد قال به طائفةٌ من علماء المسلمين، وأن له حظًّا من النظر في بعض الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 262]. ومن الأحاديث الشريفة مثل ما جاء في «سنن أبي داود»: أن رجلًا جعل ناقةً في سبيل الله، فأرادت امرأتُه الحجَّ، فقال لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ارْكَبِيهَا؛ فَإِنَّ الْـحَجَّ فِي سَبِيلِ الله»(1).
2- ونظرًا إلى أن القصدَ من الجهاد بالسلاح هو إعلاءُ كلمة الله تعالى، وأن إعلاءَ كلمة الله تعالى كما يكون بالقتال يكون-أيضًا- بالدعوة إلى الله تعالى ونشرِ دينه بإعداد الدعاة ودعمهم ومساعدتهم على أداء مهمتهم، فيكون كلا الأمرين جهادًا؛ لما روى الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم؛ عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جَاهِدُوا الـمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ»(2).
3- ونظرًا إلى أن الإسلام محارَبٌ بالغزو الفكري والعقدي من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين، وأن لهؤلاء من يدعمهم الدعمَ الماديَّ والمعنوي، فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام وبما هو أنكى منه.
4- ونظرًا إلى أن الحروب في البلاد الإسلامية أصبحَ لها وزارات خاصة بها، ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة، بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون.
لذلك كله فإن المجلس يقرر- بالأكثرية المطلقة- دخول الدعوة إلى الله تعالى وما يعين عليها ويدعم أعمالها في معنى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60] في الآية الكريمة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وإذا كان كذلك فمعلوم أن الجهاد منه ما يكون بالقتال باليد، ومنه ما يكون بالحجة والبيان والدعوة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ [الفرقان: 51-52]. فأمره الله سبحانه وتعالى أن يجاهد الكفارَ بالقرآن جهادًا كبيرًا، وهذه السورة مكية نزلت بمكة، قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل أن يُؤمر بالقتال، ولم يؤذن له، وإنما كان هذا الجهاد بالعلم والقلب والبيان والدعوة، لا بالقتال)).
وقد سئلت دار الإفتاء المصرية عن (عن حكم صرف أموال الزكاة والأوقاف في نشر المعرفة بإسهامات المسلمين في الحضارة، حيث يعمل المركز في نشر سلسلة أمهات كتب الحضارة الإسلامية مترجمةً إلى اللغة الإنجليزية، والمجموعة تتكون من مائة كتاب في شتى أنواع العلوم الإسلامية، اختارها مجموعة من علماء المسلمين المتخصصين، وتتكلف الترجمة مع المراجعة والنشر والإشراف أموالًا كثيرة، فهل يجوز صرف أموال الزكاة والأوقاف في مثل هذه الأعمال؟)
فأجابت (إنَّ نشرَ الدعوةِ الإسلاميةِ قسمٌ من أقسامِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ؛ فإنَّه قد يكون بالسنانِ وقد يكون باللسانِ كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52].
وعليه: فإنَّه يجوزُ طبعُ كتبِ العلمِ وتوزيعِها من الزكاةِ.)
فإذا كانت مؤسستكم غيرَ ربحية، وكان نشاطها على النحو الذي ذكرت، فلا حرج في تمويل بعض برامجها من أموال الزكاة. والله تعالى أعلى وأعلم.

________________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك» باب «العمرة» حديث (1989) من حديث أم معقل رضي الله عنها، قالت: لما حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من حجه جئته فقال: «يَا أُمَّ معقل ما منعك أن تخرجي معنا؟»، قالت: لقد تهيأنا فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله، قال: «فهَلَّا خرجت عليه، فإن الحجَّ في سبيل الله».
(2) أخرجه أحمد في «مسنده» (3/ 124) حديث (12268)، وأبو داود في كتاب «الجهاد» باب «كراهية ترك الغزو» حديث (2504)، والنسائي في كتاب «الجهاد» باب «وجوب الجهاد» حديث (3096)، والحاكم في «مستدركه» (2/ 91) حديث (2427). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه».

تاريخ النشر : 25 فبراير, 2026
التصنيفات الموضوعية:   04 الزكاة
التصنيفات الفقهية:  

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend