تغطية نفقات الحملات الانتخابية للمرشحين الإسلاميين من مال الزكاة

هل يجوز دفع الزكاة لحملة ترشيح الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل للرئاسة؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فإن مصارف الزكاة قد حدَّدها الله عز وجل  في كتابه الكريم، ولم يترك ذلك لا إلى مَلَك مُقرَّب ولا إلى نبي مرسل، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]
ومن بين هذه المصارف مصرفُ في سبيل الله، وقد خصَّه جمهور أهل العلم بالغزاة المتطوعين، أي بالمجاهدين في سبيل الله، وخصُّوا به جهاد السيف، لمن لم تُجرَ عليه مُخصَّصات من بيت المال أو الخزانة العامة للدولة.
ولكن جمهور المعاصرين على التوسع في المقصود بالجهاد ليشمل فيما يشمل جهاد الكلمة، أي جهاد الدعوة إلى الله ، فقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي، في دورته الثامنة المنعقدة بمكة المكرمة:
القرار الرابع: بـشأن جمع وتقسيم الزكاة والعشر في باكستان.
بعد اطلاع المجلس على ترجمة الاستفتاء الذي يطلب فيه الإفادة: هل أحد مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في الآية الكريمة، وهو ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60] يقصر معناه على الغزاة في سبيل الله، أم أن سبيل الله عام لكلِّ وجه من وجوه البر: من المرافق، والمصالح العامة، من بناء المساجد، والربط، والقناطر، وتعليم العلم، وبث الدعاة… إلخ.
وبعد دراسة الموضوع ومناقشته وتداول الرأي فيه، ظهر أن للعلماء في المسألة قولين:
أحدهما: قصر معنى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60]في الآية الكريمة على الغزاة في سبيل الله، وهذا رأي جمهور العلماء، وأصحاب هذا القول يريدون قصر نصيب ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60]من الزكاة على المجاهدين الغزاة في سبيل الله تعالى.
القول الثاني: أن سبيل الله شامل عام لكل طرق الخير والمرافق العامة للمسلمين: من بناء المساجد وصيانتها، وبناء المدارس، والربط، وفتح الطرق، وبناء الجسور، وإعداد المؤن الحربية، وبث الدعاة، وغير ذلك من المرافق العامة، مما ينفع الدين، وينفع المسلمين، وهذا قول قلة من المتقدمين، وقد ارتضاه واختاره كثير من المتأخرين.
وبعد تداول الرأي ومناقشة أدلة الفريقين قرَّر المجلس بالأكثرية ما يلي:
1- نظرًا إلى أن القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين، وأن له حظًّا من النظر، في بعض الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: 262] ومن الأحاديث الشريفة، ما روى أبو داود عن أم معقل الأسدية ل قالت: لما حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  حجة الوداع وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغ من حجه جئته فقال: «يَا أُمَّ مَعْقِلٍ مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجِي مَعَنَا؟» قالت: لقد تهيأنا فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو الذي نحجُّ عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله، قال: «فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْـحَجَّ فِي سَبِيلِ الله»(1).
2- ونظرًا إلى أن القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، وأن إعلاء كلمة الله تعالى كما يكون بالقتال يكون أيضًا بالدعوة إلى الله تعالى ونشر دينه: بإعداد الدعاة، ودعمهم، ومساعدتهم على أداء مهمتهم، فيكون كلا الأمرين جهادًا؛ لما روى الإمام أحمد والنسائي وصحَّحه الحاكم، عن أنس رضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «جَاهِدُوا الـمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ»(2).
3- ونظرًا إلى أن الإسلام مُحارَب بالغزو الفكري والعقدي، من الملاحدة واليهود والنصارى، وسائر أعداء الدين، وأن لهؤلاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي؛ فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام، وبما هو أنكى منه.
4- ونظرًا إلى أن الحروب في البلاد الإسلامية، أصبح لها وزارات خاصة بها، ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة، بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لايوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون.
لذلك كله فإن المجلس يقرر بالأكثرية المطلقة دخول الدعوة إلى الله تعالى وما يعين عليها ويدعم أعمالها في معنى قوله  عز وجل   ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60] في الآية الكريمة.
وبهذا التفسير استفادت المراكز الإسلامية التي تحمل همَّ الدعوة إلى الله خارج بلاد المسلمين، حيث تمول جُل أنشطتها الدعوية والعلمية من مصارف الزكاة، وإذا اتسع هذا المصرف لجهاد الكلمة على هذا النحو فأرى أنه يتسع للجهاد السياسي لمن صح عزمه على السعي من خلاله لإقامة الدين وإجلال رب العالمين.
وقد صار الجهاد السياسي لإحقاق الحق وإبطال الباطل هو البديل عن الانقلابات والثورات المسلحة والخروج على الولاة بالسيف الذي جرَّ على الأمة ما جرَّ من ويلات وفجائع.
وإذا تعين بديلًا داخل بلاد المسلمين لإقامة الدين وقيام الناس بالقسط وعجزت موارد المرشحين عن تغطية نفقات هذه الحملات في ظلِّ تنافسٍ محموم وتدفقات مالية ضخمة من قبل خصوم الإسلام لتمويل أوليائهم وبطانتهم، فلا أرى حرجًا في دعم هؤلاء المرشحين عند الاقتضاء من خلال أموال الزكاة ممن يغلب على الظن قيامهم بالقسط وانتصارهم للحق الذي به قامت السموات والأرض، على أن تراقب جهات حيادية توجيه هذه التدفقات الزكوية إلى مصارفها المشروعة في تمويل هذه الحملات، وألا تتحول إلى مغنم شخصي لهذا المرشح أو ذاك. والله تعالى أعلى وأعلم.

____________________

(1) أخرجه أبو داود ( 1989). وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1119): حسن لغيره.

(2) أخرجه أبو داود (2504)، وقال ابن حجر في تخريج المشكاة (4/11): حسن.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   04 الزكاة, 05 السياسية الشرعية

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend