إبراء الغريم الفقير بنيَّة الزكاة

ابن خالتي ظروف عمله تغيَّرت وأصبحت صعبةً، واستدانَ من أمي وغيرها بمبالغ كبيرة تصل لآلاف منذ سنوات ويعجز عن سداد ذلك حتى الآن، فهل أدفع هذا المبلغ أو جزءًا منه لأمي من زكاة مالي وأبلغه أن ديْنَه تم إسقاطه؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن الزكاة لا تُعطَى لا للأصول ولا للفروع؛ لأنهم إن احتاجوا وجَبَ إعطاؤهم من حُرِّ أموال أولادهم لا من زكواتهم، إلا إذا كانت نفقتهم لا تجبُ على المزكي لمحدودية ماله، واحتاجوا إلى النفقة، فيجوز عند بعض أهل العلم بذلُها لهم في هذه الحالة.
قال ابن المنذر: ((أجمع أهلُ العلم على أن الزكاةَ لا يجوز دفعُها إلى الوالدين في الحال التي يُجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم، ولأن دفعَ زكاته إليهم تُغنيهم عن نفقتِه وتُسقطها عنه ويعود نفعُها إليه، فكأنه دفعَها إلى نفسه، فلم تجُز، كما لو قضى بها دينه))(1). اهـ.
وقال ابنُ قاسم في «حاشية الروض»: ((وقال شيخ الإسلام: يجوز دفعُ الزكاة إلى الوالدين، والولَدِ، إذا كانوا فقراءَ وهو عاجزٌ عن الإنفاق عليهم، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، ويشهد له العمومات. وقال: الأقوى جوازُ دفعها إليهم في هذه الحال؛ لأن المقتَضِيَ موجودٌ، والمانعَ مفقود، فوجب العملُ بالمقتضي السالم عن المعارض المقاوم. وقال أيضًا: إن كان محتاجًا إلى النفقة، وليس لأبيه ما يُنفق عليه، ففيه نزاع، والأظهر أنه يجوز له أخذ زكاةِ أبيه، وأما إن كان مستغنيًا بنفقة أبيه، فلا حاجة به إلى زكاته))(2). انتهى.
وفي إسقاط الدَّين عن المدِين المعسِر في الزكاة خلافٌ يسير، ولكن الكثرةَ الكاثرة والسوادَ الأعظم من أهل العلم على عدمِ جواز ذلك، سواء كان المدين حيًّا أو ميتًا، قال النووي رحمه الله: ((إذا كان لرجلٍ على معسرٍ دَيْنٌ فأراد أن يجعلَه عن زكاته وقال له: جعلتُه عن زكاتي. فوجهان حكاهما صاحبُ «البيان» أصحهما: لا يجزئه، وبه قطع الصيمري، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، لأن الزكاةَ في ذمته فلا يبرأ إلا بإقباضها. والثاني: يجزئه، وهو مذهب الحسن البصري وعطاء))(3). انتهى.
وقال الشيخ ابن العثيمين رحمه الله: ((مسألة: إبراء الغريم الفقير بنيَّة الزكاة، صورتها: رجل له مدين فقير يطلبه ألفَ ريال، وكان على هذا الطالب ألفُ ريال زكاةً، فهل يجوز أن يسقط الدائن عن المدين الألف ريال الذي عليه بنية الزكاة؟ الجواب: أنه لا يجزئ، قال شيخ الإسلام: بلا نزاع، وذلك لوجوه هي:
الأول: أن الزكاة أخذٌ وإعطاء، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 103]. وهذا ليس فيه أخذ.
الثاني: أن هذا بمنزلة إخراجِ الخبيث من الطيب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [البقرة: 267].
ووجه ذلك: أنه سيخرج هذا الدين عن زكاة عينٍ، ومعلومٌ نقصُ الدين عن العين في النفوس، فكأني أُخرج رديئًا عن جيَّد وطيبٍ، فلا يجزئ.
الثالث: أنه في الغالب لا يقع إلا إذا كان الشخص قد أيس من الوفاء، فيكون بذلك إحياءً وإثراءً لماله الذي بيده؛ لأنه الآن سيسلم من تأديةِ ألف ريال. انتهى.
ولكن يجوز لك أن تبذل المال إلى هذا المدين المعسر وتدعه هو يتولى إبراء ذمته إن شاء. والله تعالى أعلى وأعلم.

__________________
(1) «الإجماع» (1/46).
(2) «الفتاوى الكبرى» (5/373-374).
(3) «المجموع» (6/ 191 – 197).

تاريخ النشر : 22 فبراير, 2026
التصنيفات الموضوعية:   04 الزكاة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend