معنى اختصام الملائكة!

الملائكة يختصمون، ففيم يختصمون؟ وكيف يختصمون وهم معصومون؟ وما الدليل على ذلك؟ أفتونا مأجورين.

الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن اختصام الملائكة تحاورهم في شئون عليَّةٍ وهموم إيمانية، فاختصامهم الذي أشار إليه القرآن كان بشأن آدم عليه السلام، وتعجبهم من خلقه، وجنسه يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجَّته ربَّه في تفضيله عليه وهو المشار إليه في القرآن الكريم في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [ص: 69، 70].
وقد فسرته الآيات بعده: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [ص: 71 – 74].
أما اختصامهم الذي أشارت إليه السُّنة في حديث عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ غداة عن صلاة الصبح حتى كِدنا نتراءى عينَ الشمس، فخرج سريعًا فثوب بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجوز في صلاته فلما سلم دعا بصوته فقال لنا: «عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ». ثم انفتل إلينا ثم قال: «أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمْ الْغَدَاةَ؛ أَنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي، فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي فَاسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ. قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْـمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ. قَالَـهَا ثَلَاثًا. قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ، وَعَرَفْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ. قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْـمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ. قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْـجَمَاعَاتِ، وَالْـجُلُوسُ فِي الْـمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْـمَكْرُوهَاتِ. قَالَ: ثُمَّ فِيمَ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَلِينُ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ: سَلْ. قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْـخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْـمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْـمَسَاكِينِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ. أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ. قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا»(1).
هذا حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط كما يقول الحافظ ابن كثير.
والاختصام المذكور في الحديث قد فسره الرسول صلى الله عليه وسلم أنه في الكفارات والدرجات.
والاختصام المذكور ليس اختصامَ تنازع ولكنه تنافس في الخير وتحاور حول أعماله. والله تعالى أعلى وأعلم.
____________________
(1) أخرجه الترمذي في كتاب «تفسير القرآن» باب «ومن سورة ص» حديث (3235)، وقال: «حديث حسن صحيح».

تاريخ النشر : 26 سبتمبر, 2023
التصنيفات الموضوعية:   03 الإيمان بالملائكة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend