أنا عندي 32 سنة ومنذ صغري وأنا أشجع أحد الأندية في كُرة القدم، ولكني أعاني بشدة بسبب تشجيعي الشديد لهذا النادي؛ حيث إنني أسعد كثيرًا عندما ينتصر، وأكتئب عندما يُهزم وأصبح في منتهى الحزن والعصبية، وبالطبع ينعكس ذلك بالسلب على معاملتي مع زوجتي وأبنائي، بل يصل الأمر أنني قد أَسْرَحُ كثيرًا أثناء الصلاة بسبب التفكير في مباريات هذا الفريق، أشعر أنني غيرُ طبيعي وأتمنى من الله أن يتوب عليَّ من هذا الداء. ولكني أتمنى من فضيلتكم أن تساعدني بأن آخذ بالأسباب حتى أنتهيَ من هذا التعصُّب وأترك التفكيرَ الشديد الذي أراه غير منطقي بسبب تشجيع كرة القدم.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن التعصُّبَ الكرويَّ ذريعةٌ إلى انحلال عقيدة الولاء والبراء، وهي من أصول الإيمان، وذلك عندما يتحوَّل النادي الذي تشجعه إلى معقدٍ للولاء والبراء، يُعقد على أساسه الحبُّ والبغضُ والأخذُ والمنعُ والتقريبُ والإقصاء، حتى قد تنقسمُ الأسرة الواحدة على نفسِها، هذا يشجع فريقًا، وذاكَ يشجع فريقًا آخرَ.
ولم يقف الأَمرُ عند حدِّ التشجيعِ وما ينبني عليه من احتقانات نفسية، بل تعدَّاهُ إِلى السخريةِ، والتقاذف بالتُّهَم والمناكر والسيِّئ من الأقوال، وربما انتهى إلى الشجارِ والعراكِ الذي يدور بين مشجعي الفريقين، وسقوط الجرحى وربما القتلى ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي الحديث الذي رواه أبو داود عن جبير بن مطعم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ»(1).
لقد تمهَّد في أبجديات العقائد أن معقد الولاء والبراء هو الإيمان بالله ورسوله، فـ«مَنْ أَحَبَّ لله وَأَبْغَضَ لله وَأَعْطَى لله وَمَنَعَ لله فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ»(2). وأن أوثق عُرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله عز وجل(3).
بل قد يبلغ الأمرُ مبلغَ الأزمات السياسية الكبرى بين الدولِ كما حدث بين مصر والجزائر في إحدى مباريات كرة القدم، الأمر الذي يُخشى معه أن يصبح هذا التعصب الكروي وثنًا جديدًا يُعبد من دون الله تعالى.
قد نتفهم الإعجابَ الرياضي بلاعبٍ ما في حدود الشخصية الرياضية، أما أن يبلغ الأمر مبلغَ استنساخه كلِّه في الأجساد والعقول، فهذه سقوطٌ مخزٍ وتبَعِيَّةٌ بغيضة.!
وقد نتفهم ما يسمَّى بالروح الرياضية، وما تعنيه من تقبُّل الهزيمة كتقبُّل الفوز، والاعتراف للخصم بالتفوُّق، وعدم غمطِه حقَّه؛ تجنبًا للكِبر الذي عرَّفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه بطَرُ الحقِّ وغمْطُ الناس(4)، فعن عروة، عن عائشة قالت: خرجتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وأنا جارية، لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: «تَقَدَّمُوا». فتقدموا، ثم قال لي: «تَعَالَـيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ». فسابقته فسبقته، فسكت عني. حتى إذا حملتُ اللحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: «تَقَدَّمُوا». فتقدموا، ثم قال: «تَعَالَـيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ». فسابقته فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: «هَذِهِ بِتِلْكَ»(5).
وفي حديث أنس رضي الله عنه قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقةٌ تُسمى العضباءَ، لا تُسبَقُ- قال حميد: أو لا تكاد تُسبَق- فجاء أعرابيٌّ على قَعُودٍ فسبقها، فشَقَّ ذلك على المسلمين، حتى عَرَفه، فقال: «حَقٌّ عَلَى الله أَنْ لاَ يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إلَّا وَضَعَهُ»(6).
ولو سألتَ المشجعين للمباريات الكروية عن أسماء فريقِهم الذي يشجعونه وسِيَرِهم الذاتية لوجدتهم لا يكادون يُخطئون في سَرْدِها بالتفصيل، فإن سألته أبَسط الأسئلة عن حياة نبيِّه صلى الله عليه وسلم وألصَقِ أصحابه به لغفروا أفواههم دهشةً، وعميت عليهم الأنباء.
ولقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء ببلاد الحرمين: ما حُكم مشاهدة المباراة الرياضية، المتمثلة في مباراة كأس العالم وغيره؟
فأجابت اللجنة: مباريات كرة القدم التي على مال أو نحوِه من جوائز حرامٌ؛ لكون ذلك قمارًا؛ لأنه لا يجوز أخذُ السبق- وهو العِوَض- إلا فيما أذِنَ فيه الشرع، وهو المسابقة على الخيل والإبل والرماية( )، وعلى هذا فحضورُ المباريات حرامٌ، ومشاهدتها كذلك، لمن علم أنها على عوضٍ؛ لأن في حضوره لها إقرارًا لها.
أما إذا كانت المباراة على غير عوضٍ، ولم تشغل عمَّا أوجبَ اللهُ من الصلاة وغيرها، ولم تشتمل على محظورٍ: ككشف العورات، أو اختلاط النساء بالرجال، أو وجود آلات لهو- فلا حرج فيها ولا في مشاهدتها. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينامحمد وآله وصحبه وسلم(7).
إن النفوس إذا لم يشغلها أصحابها بالحقِّ شغلتهم بالباطل، والترويح عن النفس يجب أن يبقى في حدودِ الترويح، ساعةً وساعة، أما أن يهيمن على العقول والقلوب والأفكار فهذا مضيعةٌ للأعمار، وغبنٌ للنفس في شأن الصحة والفراغ(8).
سل نفسك يا بني: لماذا خلقك الله عز وجل؟ سيأتيك الجواب ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
ثم سل نفسك: ما هو معقد الولاء والبراء في دين الله عز وجل؟ سيأتيك الجواب ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ [المائدة: 55].
سل نفسك عن حمية الجاهلية ودعوى الجاهلية وسوء منقلب أصحابها؟ سيأتيك الجواب في قوله صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الـجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَاءِ جَهَنَّمَ». قالوا: وإن صلى وصام يا رسول الله؟ قال: «وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ»(9). وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [الفتح: 26].
ونحن نعلم أن التخلص من التعصب الكروي ليس بالأمر السهل، لكونها لعبةً تجارية مصممة لتكون كذلك، فالتعصُّب يصب في مصلحةِ مؤسسات كرة القدم، ولكن أصحاب الهمم والعزائم القوية يقهرون الصعاب، وإذا كانت الحاجَة أمُّ الاختراع كما يقولون، فإن الإيمان أبو الاختراع وأمه.
فتدبر هذا كلَّه يا بني، واعلم أن العمر قصير لا ينبغي إهدارُه في مثل هذه التفاهات، وأنه ليس يتحسر أهلُ الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل(10).
اغتنم في الفراغ فضل ركوع ** فعسى أن يكونَ موتك بغتة
كم صحيح رأيتَ من غير سُقم *** ذهبتْ نفسه الصحيحة فلتة(11)
أسأل الله يا بني أن يهدي قلبك، وأن يأخذ بناصيتك إلى ما يحب ويرضى، وأن يخلصك من هذه الفتنة، وأن يردَّك إليه ردًّا جميلًا، وأن يحملك في أحمد الأمور عنده وأجملها عاقبة. والله تعالى أعلى وأعلم.
_________________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب «الأدب» باب «في العصبية» حديث (5121)، وذكره الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (5121).
(2) أخرجه أبو داود في كتاب «السنة» باب «الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه» حديث (4681) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (4681).
(3) فقد أخرج أحمد في «مسنده» (4/286) حديث (18546)، وأبو داود الطيالسي في «مسنده» ص101 حديث (747)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (6/170) حديث (30420) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أتدرون أيُّ عُرَى الإيمان أوثقُ؟» قلنا: الصلاة. قال: «الصلاة حسنة وليست بذلك». قلنا: «الصيام». فقال مثل ذلك، حتى ذكرنا الجهاد فقال مثل ذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوثقُ عُرى الإيمانِ الحبُّ في الله عز وجل والبغضُ في الله»، وعبارة أحمد: «أوسط عرى» بدل «أوثق عرى». وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (3030).
(4) ففي الحديث الذي أخرجه مسلم في كتاب «الإيمان» باب «تحريم الكبر وبيانه» حديث (91) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَدْخُلُ الْـجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». قال رجل: إن الرجل يحبُّ أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنةً! قال: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْـجَمَالَ؛ الْكِبْرُ بَطَرُ الْـحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ».
(5) أخرجه بلفظه أحمد في «مسنده» (6/ 264) حديث (26320). وأخرج نحوه في «مسنده» (6/129) حديث (25025)، وأبو داود في كتاب «الجهاد» باب «في السبق على الرجل» حديث (2578)، وابن ماجه في كتاب «النكاح» باب «حشن معاشرة النساء» حديث (1979) عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، قالت: فسابقته فسبَقْتُهُ على رِجْلَيَّ، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال: «هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ». وذكره الحافظ العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (1/ 393) وصحح إسناده، وذكره الألباني في «السلسلة الصحيحة» (131).
(6) أخرجه البخاري في كتاب «الجهاد والسير» باب «ناقة النبي صلى الله عليه وسلم» حديث (2872).
(7) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/ 474) حديث (10142)، وأبو داود في كتاب «الجهاد» باب «في السبق» حديث (2574)، والترمذي في كتاب «الجهاد» باب «ما جاء في الرهان والسبق» حديث (1700)، والنسائي في كتاب «الخيل» باب «السبق» حديث (3585)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لَا سَبْقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ». وقال الترمذي: «حديث حسن»، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» حديث (1506).
(8) عبد العزيز بن عبد الله بن باز، عبد العزيز بن عبدالله آل الشيخ، صالح بن فوزان الفوزان، بكر بن عبد الله أبو زيد. فتاوى اللجنة الدائمة. (15/238).
(9) أخرج البخاري في كتاب «الرقاق» باب «لا عيش إلا عيش الآخرة» حديث (6412) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ».
(10) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/ 130) حديث (17209)، والترمذي في كتاب «الأمثال» باب «ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة» حديث (2863)، والحاكم في «مستدركه» (1/ 582) حديث (1534) من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح»، وقال الحاكم: «حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وذكره الألباني في «صحيح الجامع» حديث (1724).
(11) أخرج الطبراني في «المعجم الكبير» (20/ 93) حديث (182)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1/392) حديث (512) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الجَنَّةِ عَلَى شَيْءٍ إلا عَلَى ساعَةٍ مَرَّتْ بهم لَمْ يَذْكُروا اللهَ عز وجل فِيهَا». وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (2/258) وقال: «رواه الطبراني عن شيخه محمد بن إبراهيم الصوري ولا يحضرني فيه جرح ولا عدالة، وبقية إسناده ثقات معروفون، ورواه البيهقي بأسانيد أحدها جيد»، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 74) وقال: «رواه الطبراني ورجاله ثقات وفي شيخ الطبراني محمد بن إبراهيم الصوري خلاف».