علة إفراد العم والخال وجمع العمات والخالات في آية: ﴿‌وَبَنَاتِ ‌عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾

لماذا أُفرِدَ العمُّ والخالُ وجمعت العمات والخالات في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ‌وَبَنَاتِ ‌عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 50]. أفتونا مأجورين.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلأهل العلم في توجيهها مقالات مختلفة نذكر منها:
ما قاله ابن العربي رحمه الله في «أحكام القرآن»: ((والحكمة في ذلك أن العم والخال في الإطلاق اسمُ جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك في العمة والخالة. وهذا عرفٌ لغويٌّ؛ فجاء الكلامُ عليه بغاية البيان لرفع الإشكال؛ وهذا دقيق فتأملوه))(1). اهـ. واسم الجنس يُطلَق على المفرد وعلى الجمع، بدليل أنك تجد اسم الجنس في القرآن يُستثنى منه الجمع، كما في قوله تعالى{ وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ }[العصر: 1-3]. فالإنسان اسم جنس مفرد، واستثني منه الذين آمنوا وهي جمع، أما العمَّات والخالات فليستْ اسم جنس؛ لذلك جاءتْ بصيغة الجمع المؤنث.
وقيل: إن سبب ذلك كونُ كونِ الأفضل يُفرد والمفضولِ يُجمع، ولهذا أُفرد الذكور لشرَفِهم، وجمع الإناث لكونهن مفضولات.
وقيل: سببُ ذلك سبقُ الوهم إلى أن التاء للوَحْدة، وليس في العمِّ والخالِ ما يسبق الوهم إليه بأنه أريد به الوَحْدَة إلا مجرد صيغة الإفراد، وهي لا تقتضي ذلك بعد إضافتها لما تقرر من عموم أسماء الأجناس المضافة.
.قال الشوكاني رحمه الله تعالى في «فتح القدير»: ((ووجهُ إفرادِ العمِّ والخال وجمعِ العمة والخالة ما ذكره القرطبيُّ: أن العمَّ والخال في الإطلاق اسمُ جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة. قال: وهذا عرفٌ لغويٌّ، فجاء الكلام عليه بغايةِ البيان. وحكاه عن ابن العربي. وقال ابن كثير: إنه وحَّد لفظ الذَّكر لشرفه، وجمع الأنثى كقوله: ﴿‌عَنِ ‌الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: 48]. وقوله: ﴿‌يُخْرِجُهُمْ ‌مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]، ﴿‌وَجَعَلَ ‌الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1]. وله نظائر كثيرة انتهى. وقال النيسابوري: وإنما لم يُجمع العمُّ والخال اكتفاءً بجنسيتهما؛ مع أن لجمع البنات دلالةً على ذلك لامتناع أختين تحت واحد، ولم يحسن هذا الاختصار في العمة والخالة لإمكان سبقِ الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة انتهى. وكل وجه من هذه الوجوه يحتمل المناقشةَ بالنقض والمعارضة، وأحسنها تعليلُ جمع العمة والخالة بسبق الوهم إلى أن التاء للوَحْدة، وليس في العمِّ والخال ما يسبق الوهم إليه بأنه أريد به الوحدة إلا مجرَّد صيغة الإفراد، وهي لا تقتضي ذلك بعد إضافتها؛ لما تقرر من عموم أسماء الأجناس المضافة، على أن هذا الوجه الأحسن لا يصفو عن شوب المناقشة))(2).
وقيل: سببُ ذلك أنَّ أعمامَه صلى الله عليه وسلم العباس وحمزة رضي الله عنهما، وأبو طالب، وبناتُ العباس كنَّ ذات أزواج لا يليق ذكرهن، وحمزة رضي الله عنه أخوه من الرضاع لا تحلُّ له بناته، وأبو طالب ابنته أمُّ هانئ لم تكن مهاجرةً، فلم يبق إلا عمٌّ واحد هو الذي تحلُّ له بناته لو كن مهاجرات.
قال الشهاب الحنفي رحمه الله في «حاشيته على تفْسيرِ البَيضَاوِي»: ((قد سأل كثيرٌ عن حكمةِ أفراد العمِّ والخال دون العمة والخالة حتى إنَّ السبكيَّ رحمه الله صنَّف جُزءًا فيه سماه «بذل الهمة في إفرادِ العمِّ وجمع العمَّة» وقد رأيتُ لهم فيه كلمات ضعيفة كقول الرازي أنَّ العمَّ والخال على زنة المصدر، وقيل: إنه يعمُّ إذا أضيف، والعمة والخالة لا تعمُّ لتاء الوَحْدَة، وهي إن لم تمنعه حقيقةً تأباه ظاهرًا ولا يأباه قوله في سورة النور: ﴿‌بُيُوتِ ‌أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ﴾ [النور: 61]. لأنه على الأصل. وأحسن منه ما قيل: إنَّ أعمامه صلى الله عليه وسلم العباس وحمزة رضي الله عنهما وأبو طالب، وبنات العباس كنَّ ذات أزواج لا يليق ذكرهن، وحمزة رضي الله عنه أخوه من الرضاع لا تحلُّ له بناته، وأبو طالب ابنته أمُّ هانئ لم تكن مهاجرة.
ومعنى كلام المصنف أن النساء المهاجرات أفضلُ من غيرهن؛ فلذلك خُصصن بالذكر لا لأنَّ من لم يهاجر يحرم عليه، وهو أحد قولين في المسألة))(3). اهـ.
فهذا خلاصةُ ما قيل في توجيه ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم.

______________________
(1) «أحكام القرآن» لابن العربي (3/ 593).
(2) «فتح القدير» (4/291- 292).
(3) «حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي، عناية القاضي وكفاية الراضي» (7/ 178).

تاريخ النشر : 28 يناير, 2026
التصنيفات الموضوعية:   01 القرآن الكريم وعلومه, 05 النكاح

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend