دعاء الرجل بأن يجعله الله وسيمًا

أنا شابٌّ أبلغ من العمر ١٨ عامًا، لدي سؤال بخصوص الدعاء، هل الدعاء بأن يجعلني الله وسيمًا محرمٌ أم لا؟ وهل يجوز أن أدعو الله عند ماء زمزم أن يجعلني وسيمًا؟
أنا أعلم أن الجمال الحقيقيَّ هو الجمال الداخلي فالأخلاق الحميدة والروح الجميلة الطيبة هي ما يجعل الشخص جميلًا أمام الناس، لكني أريد أن أكون وسيمًا حسن المظهر، يعلم الله بأني حسَن الخُلق لا أشتم أحدًا ولا أسب أحدًا، ولا أتكبر على أحد رغم أني من عائلة غنية، ورغم سيارتي الفارهة وملابسي الأنيقة التي تكون من أفضل الماركات إلا أنني لا أرى نفسي فوق أحد. لكني أريد من الله أن يجعلني وسيمًا فقط.
أحد أمانيَّ أن أكون وسيمًا؛ خصوصًا أني أريد العفاف بالزواج.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فما دُمت يا بُني ممن يشغله جمال الصورة الظاهرة فاعلم أن الله تعالى قد كرَّم بني آدم، وصورهم في أحسن صورة، فقال جلَّ من قائل، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [غافر: 64].
وعوِّد نفسك يا بنيَّ أن تنظر إلى من هو فوقك في الدين حتى لا تغتر بعبادتك لربك، وإلى من هو دونك في الدنيا حتى لا تزدري نعمةَ الله عليك، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.
فإن كنت تريد أن تسأل الله تعالى جمالَ الوجه، أي أن يبدل الله صورتك التي خلقك عليها، فيغيرها إلى وجه آخر حسن جميل، فهذا اعتداء في الدعاء لا يحِلُّ؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [الأعراف: 55].
وفي حديث عبد الله بن مُغفَّل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ»(1).
فقد خلق الله الدنيا وركَّب فيها من سُننه ما لا يقبل التبديلَ ولا التغييرَ إلا ما يكون من معجزات الرسل، فخلق السماء سقفًا محفوظًا، وزينها بمصابيح وجعلها رجومًا للشياطين، وخلق الشمس وجعلها سراجًا وَهَّاجًا، وأنزل من المعصرات ماء ثجاجًا، وخلق الأرض وجعلها مهادًا، وأرسى الجبال وجعلها أوتادًا، وقدَّر للقمر منازلَ ومراحلَ، وأعطى كلَّ شيء خلقَه ثم هدى، ورزَقه صورتَه التي صوره بها. وهذه كلها أمور لا تتغير ولا تتبدل؛ لأنها من السنن الكونية التي قال الله تعالى فيها: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30].
والاعتداء في الدعاء- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤالُه من المعونة على المحرمات، وتارة يسأل ما لا يفعله الله، مثل أن يسأل تخليدَه إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازمَ البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، ويسأله بأن يُطلعه على غيبِه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولدًا من غير زوجة. ونحو ذلك مما سؤاله اعتداءٌ لا يحبُّه الله ولا يحبُّ سائله»(2). انتهى.
وبقي أن تعلم يا بُني أن الجمالَ- وهو نعمة من الله تعالى- يبدأ بباطنٍ نقيِّ السريرة مع الله عز وجل، فيَظهرُ أثرُه على صفحة النفس البشرية، فتُكسِبها بهاءً وتكسوها جلالًا ونَضرةً وجمالًا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»(3). وما أجمل قول القائل:
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته *** أتطلب الربح مما فيه خسران؟!
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها *** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان(4)

وأنا أدعوك يا بني إلى تأمل ما قاله ابن القيم في «روضة المحبين»:
((اعلم أن الجمال ينقسم قسمين: ظاهر، وباطن.
فالجمالُ الباطن هو المحبوب لذاته، وهو جمالُ العلم والعقلِ والجود والعفَّة والشجاعة، وهذا الجمالُ الباطن هو محلُّ نظر الله من عبدِه وموضعُ محبَّتِه، كما فِي الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»(5).
وهذا الجمال الباطن يُزَيِّنُ الصورةَ الظاهرة وإن لَـمْ تكن ذاتَ جمال، فَـتَـكْسُوا صاحبَها من الجمال والمهابة والحلاوةِ بحسب ما اكتست رُوحه من تلك الصفات، فإن المؤمن يُعْطَى مهابةً وحلاوةً بحسب إيمانِه، فمن رآه هَابَهُ ومن خَالَطَهُ أَحَبَّهُ. وهذا أمر مشهودٌ بالْعِيَانِ، فإنك ترى الرجلَ الصالح المحسن ذا الأخلاقِ الجميلة من أحلى الناسِ صورةً وإن كان أسودَ أو غيرَ جميل، ولاسيما إذا رُزِق حظًّا من صلاةِ الليل فإنها تُنَوِّرُ الوجهَ وتُحَسِّنُهُ. وقد كان بعضُ النساء تُكْثِرُ صلاةَ الليل، فقيل لها فِي ذلك، فقالت: إنها تُحسِّن الوجهَ، وأنا أحب أن يحسنَ وجهي.
ومما يدل على أنَّ الجمالَ الباطن أحسنُ من الظاهر أن القلوبَ لا تَنْفَكُّ عن تعظيمِ صاحبه ومحبَّتِه والميل إليه.
وأما الجمالُ الظاهر فزينةٌ خَصَّ الله بها بعضَ الصُّوَرِ عن بعضٍ، وهي من زيادةِ الخَلقِ التي قال الله تعالى فيها: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: 1].
قالوا: هو الصوتُ الحسن والصورةُ الحسنة، والقلوب كالمطبوعَةِ على محبته كما هي مفطورةٌ على استحسانه.
وقد ثبت فِي الصحيح عنه أنه قال: «لَا يَدْخُلُ الْـجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قالوا: يا رسول الله الرجلُ يحبُّ أن تكون نعلُهُ حسنةً وثوبُهُ حسنًا أفذلك من الْكِبْرِ؟ فقال: «لَا؛ إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْـجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْـحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»(6).
فَبَطَرُ الحقِّ: جَحْدُهُ ودفْعُهُ بعد معرِفَته. وغَمْطُ الناس: النظرُ إليهم بعين الِازْدِرَاءِ والِاحْتِقَارِ والِاسْتِصْغَارِ لهم. ولا بأسَ بهذا إذا كان لله. وعلامته أن يكون لنفسِه أشدَّ ازدراءً واستصغارًا منه لهم. فأما إن احتقرَهُم لعظمَةِ نفسِه عندَه فهو الذي لا يدخُل صاحبُه الجنةَ.
وكما أن الجمال الباطن من أعظم نِعَمِ الله تعالى على عبده، فالجمالُ الظاهر نعمةٌ منه أيضًا على عبده يُوجِبُ شُكْرًا، فإنْ شَكَرَه بتقواه وصيانته ازدادَ جمالًا على جماله، وإن استعمل جمالَه فِي معاصيه سبحانه قلَبَهُ له شيئًا ظاهرًا فِي الدنيا قبل الآخرة، فتعود تلك المحاسنُ وَحشةً وقُبْحًا وشَيْنًا، وينفرُ عنه من رآه، فكلُّ من لَـمْ يتقِّ الله فِي حُسْنِه وجماله انقلب قُبْحًا وشَيْنًا يَشِينُهُ به بين الناس، فحُسْنُ الباطن يَعْلُو قُبْحَ الظاهر ويَسْتُرُهُ، وقُبْحُ الباطن يَعْلُو جمالَ الظاهر ويستُرُه))(7). انتهى.
لقد ذكرت يا بني من نعم الله عليك ما يقتضي شكرًا متجددًا موصولًا آناءَ الليل وآناءَ النهار، فسل الله أن يُعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته.
وأخيرًا فإن جمال الرجال له مظاهر تختلف عن التي يقصدها النساء، إن جمال الرجل بعد قوة تديُّنِه وحُسنِ خلقه في فُتُوَّتِه وقوة عضلاته، وقوة مَنطقه وحُجته، وهذا يُكتسب من خلال الرياضة البدنية ودورات التنمية البشرية، وهي متاحة لمن شاء.
أسأل الله يا بُنيَّ أن يجعلك من عباده الصالحين، وأن يمنَّ عليك بالهمة العالية التي ترتفع بطموحاتك إلى ما ينفع في الآخرة. والله تعالى أعلى وأعلم.

____________________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب «الطهارة» باب «الإسراف في الماء» حديث (96)، وذكره الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (96).
(2) «مجموع الفتاوى» (15/22).
(3) أخرجه مسلم في كتاب «البر والصلة والآداب» باب «تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه» حديث (2564) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) البيتان لأبي الفتح البستي ت400هـ، من قصيدة مطلعها:
زِيـادَةُ المرءِ فِي دُنيـاهُ نُقْصـانُ .. وَرِبْحُهُ غيرَ مَحْضِ الْـخَيْرِ خُسْـرانُ
(5) أخرجه مسلم في كتاب «البر والصلة والآداب» باب «تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه» حديث (2564)، وأحمد في «مسنده» (2/284) حديث (7814)، وابن ماجه في كتاب «الزهد» باب «القناعة» حديث (4143)، كل من حديث أبي هريرة.
(6) أخرجه مسلم في كتاب «الإيمان» باب «تحريم الكبر وبيانه» حديث (91)، من حديث عبد الله بن مسعود.
(7) «روضة المحبين» ص221.

تاريخ النشر : 22 يناير, 2026
التصنيفات الموضوعية:   07 آداب وأخلاق, 20 اللباس والزينة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend