لُبس الأحمر للرجال

أنا من الفقراء، هل هناك من ألوان لا تجوز للرجال؟ فبعض العطايا تكون باللون الأحمر الفاقع جزئيًّا أو كليًّا، وعلى سبيل المثال حذاء ولا يكون عندي أي حذاء آخر، فإن رُزقت غيرَه هل يجوز استخدامه، كملابس أو أحذية ذات ألوان غير معتادة؟

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فإن الأصلَ في ألوان اللباس الذي يلبسه الرِّجال والنِّساء الإباحة، إلا إذا ورد النص الشَّرعي بالنهي عن لونٍ معين بالنِّسْبة للرجل أو المرأة، وقد جاء النَّهْي عن لبس اللون الأحمر الخالص بالنِّسْبة للرجال دون النِّساء؛ لحديث ابن عمر: نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  عن المفدَّم(1).
والمفدَّم: هو المشبع بالعصفر.
وفي «حاشية السِّندي على سنن النَّسائي»: المفدم: المشبع بالحمرة(2).
وعن عمر أنه رأى على رجُل ثوبًا معصفرًا فقال: دعوا هذه البراقات للنساء(3).
وقيل في السَّبَب عن النَّهْي عن لبس الأحمر للرجال أقوال؛ منها: لأنه لبس الكفار؛ لأنه زيُّ النِّساء، فهو راجع إلى الزَّجر عن التشبه بالنِّساء(4) بسبب الشَّهْرة أو خرم المروءة، فيُمنع حيث يقع ذلك.
والـمَنْع مُخصَّص بالثوب الذي يُصبغ كلُّه بالحمرة، وأما ما كان فيه لونٌ آخر غير الأحمر من بياضٍ وسوادٍ وغيرهما فلا يُمنع، وعلى ذلك تُحمَل الأحاديث الواردة في الحُلَّة الحمراء، كحديث البراء رضي الله عنه : كأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم  مربوعًا وقد رأيته في حلةٍ حمراء ما رأيتُ شيئًا أحسن منه. رواه البخاري(5).
فإن الحلل اليمانية غالبًا تكون ذات خطوط حُمْر وغيرها، وليست حمراء خالصة.
قال ابن القيم: تعالى في لبس النَّبي صلى الله عليه وسلم : «حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق سمع البراء رضي الله عنه  يقول: كأن النبيَّ رضي الله عنه  مربوعًا وقد رأيته في حلةٍ حمراء ما رأيت شيئًا أحسن منه. والحلة: إزار ورداء، وغلط من ظنَّ أنها كانت حمراء بحتًا لا يُخالطها غيرُه، وإنما الحُلَّة الحمراء: بُردان يمانيان منسوجان بخطوط حُمْر مع الأسود كسائر البرود اليمنية، وإلا فالأحمر البحت منهيٌّ عنه أشدَّ النهي؛ ففي «صحيح البخاري» أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  نهى عن المياثر الحمر(6).
وفي جواز لُبْس الأحمر من الثِّياب والجوخ(7) وغيرها نظرٌ، وأما كراهته فشديدة جدًّا»(8).
هذه أيُّها المبارك أحكام السَّعة والاختيار، أمَّا عند الضَّرورة فإنه يُتوسَّع فيها ما لا يتوسع في غيرها على أن تُقدَّرَ بقدرها، فاعلم أن الأصل هو التَّنزُّه عن الثِّياب والنعال الحمراء الخالصة إلا لضرورة أو شدة حاجة. والله تعالى أعلم.

________________________

(1) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/99) حديث (5751)، وابن ماجه في كتاب «اللباس» باب «كراهية المعصفر للرجال» حديث (3601)، وذكره الألباني في «السلسلة الصحيحة» (2395).

(2) حاشية السندي» (2/189).

(3) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (11/78) حديث (19970)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (5/159) حديث (24735).

(4) أخرجه البخاري في كتاب «اللباس» باب «المتشبهون بالنساء» حديث (5885) من حديث ابن عباس ب قال: لعن رسول الله عز وجل  المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.

(5) أخرجه البخاري في كتاب «اللباس» باب «الثوب الأحمر» حديث (5848).

(6) أخرجه البخاري في كتاب «اللباس» باب «الميثرة الحمراء» حديث (5849) من حديث البراء بن عازب ب. 

قال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (5/370):
والمياثر- بفتح الميم: جمع مِيثَرة- بكسر الميم وسكون التحتانية وفتح المثلثة بعدها راء ثم هاء ولا همز فيها- وأصلها من الوِثارة أو الوِثرة بكسر الواو وسكون المثلثة، والوثير: هو الفراش الوطيء، وامرأة وثيرة كثيرة اللحم. قال البخاري: في «صحيحه»: «والميثرة كانت النساء تصنعه لبعولتهن أمثال القطائف يصفُّونها». قال الحافظ في «الفتح»: «أي يجعلونها كالصُّفَّة». وإنما قال: «يصفونها» بلفظ المذكر للإشارة إلى أن النساء يصنعن ذلك والرجال هم الذين يستعملونها في ذلك. قال الزبيدي اللغوي: «والميثرة مرفقة كصُفَّة السَّرج». وقال الطبري: «هو وطاء يوضع على سَرج الفرس أو رحل البعير كانت النساء تصنعه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر ومن الديباج، وكانت مراكبَ العجم». وقيل: هي أغشية للسروج من الحرير. وقيل: هي سروج من الديباج. فحصلنا على أربعة أقوال في تفسير الـمِيثرة هل هي وطاء للدابة أو لراكبها أو هي السَّرج نفسه أو غشاوة. وقال أبو عبيد: المياثر الحمر كانت من مراكب العجم من حرير أو ديباج.

(7) نسيج من الصوف. انظر «المعجم الوسيط» (جاخ).

(8) «زاد المعاد» (1/137).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   20 اللباس والزينة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend