هل إتيان الأجنبية في دبرها يعد زنى؟

ما حكم مَن أتى امرأةً أجنبيةً في دبرها بحجة أنه هكذا لم يزن معها؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
ما أكثر ما يتلاعب الشيطان بأوليائه! وما أكثر ما يصدق عليهم ظنه!
لقد زيَّن الشيطان لهذا الرجل أن إتيان المرأة في دبرها ليس زنًى، وكأنه يقول لنفسه: ما دام أن هذا الفعل ليس بزنا فعلامَ الإقلال منه؟ وطفق يشرب من كأس الحرام ويرتوي ظنًّا منه أنه بمنأًى عن الحرام وهيهات هيهات!
وهل الخلوة مع الأجنبية مباحة؟! وهل كشف عورتها مباح؟! وهل استمتاعهما الجنسي بأي صورة من الصور أو الأشكال مباح على لسان أي عالم؟! مع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *  إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *  فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 5 – 7]. والذي عليه كثير من أهل العلم أن ما كان منهما ينطبق عليه وصف الزنى وحكمه لأن الزنى الموجب للحد عند جمهور العلماء هو إتيان الأجنبية في فرجها- قبل أو دبر- بل ذهب كثير من العلماء إلى أنه يفعل بهما مثل قوم لوط لما روي من قوله ﷺ أنه قال: «الَّذِي عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَارْجُمُوا الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ، وَارْجُمُوهُمَا جَمِيعًا»(1).
الذي عليه المسلمون أجمعون أنه زنًى، ولكنهم اختلفوا: هل يوجب عليه الحدَّ أم لا ؟ وجمهور أهل العلم يوجبون عليه الحد، وهو مذهب المالكية(2) والشافعية(3) والحنابلة(4): أن من أتى امرأةً أجنبية في دبرها يقام عليه حد الزنى. وخالف بعض الأحناف(5) فجعلوا عليه القتل على كل حال، وذهب الشيخان عندهم- أبو يوسف ومحمد- إلى القول بأنه موجِب للحد.
جاء في كتاب «المبسوط» للسرخسي الحنفي: «ومَن أتى امرأةً أجنبيةً في دبرها فعليه الحد في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، فيُحدَّان حدَّ الزنى: يُرجمان إن كانا محصنين، ويُجلدان إن كانا غير مُحصنين، وهو أحد قولي الشافعي :، وفي قول آخر قال: يُقتلان على كلِّ حال؛ لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ»(6). وحجتهما أن هذا الفعل زنى فيتعلق به حد الزنى بالنص.
فأما من حيث الاسم: فلأن الزنى فاحشة وهذا الفعل فاحشة بالنص قال الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: 80]
ومن حيث المعنى: لأن الزنى فعل معنوي له غرض وهو إيلاج الفرج في الفرج على وجه محظور لا شبهة فيه لقصد سفح الماء، وقد وجد ذلك كله فإن القبل والدبر كل واحد منهما فرج يجب ستره شرعًا، وكل واحد منهما مشتهى طبعًا حتى إن مَن لا يعرف الشرع لا يفصل بينهما، والمحل إنما يصير مشتهى طبعًا لمعنى الحرارة والليونة وذلك لا يختلف بالقبل والدبر، ولهذا وجب الاغتسال بنفس الإيلاج في الموضعين ولا شبهة في تمحض الحرمة هنا»(7).
وجاء في الفقه على المذاهب الأربعة: «وينطبق حد اللواط على مَن أتى أيَّ امرأةٍ أجنبيةٍ في دبرها، روى أبو هريرة رضي الله تبارك وتعالى عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الَّذِي عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ فَارْجُمُوا الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ، وَارْجُمُوهُمَا جَمِيعًا»(8). ولأن الله تعالى بين في قوم لوط أنهم خرجوا عن مقتضى الفطرة الإنسانية، وما اشتملت عليه من الغريزة الجنسية من الحكمة التي يقصدها الإنسان العاقل والحيوان العجم، فسجل عليهم أنهم يقصدون اللذة وحدها، بل إنهم أخس درجة من العجماوات، وأضل سبيلًا، فإن ذكورها تطلب إناثها بدافع الشهوة لأجل النسل الذي يحفظ به نوع كل منه، فهو قصد شريف فإذا حملت الأنثى فلا يقربها ولا ينزو الذكر على الذكر أبدًا.
ولهذا وصفهم الله تعالى بأنهم مسرفون، وأنهم مجرمون وأنهم ظالمون، وأنهم مَرَدُوا على عمل السيئات، قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ *  وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾} [الشعراء: 165، 166]
وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ *  وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت( 30- 31].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت: 34]
وقال تعالى:﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ *  إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: 80، 81].

﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ *  فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: 80- 84]. فإن عاقبة المجرمين لا تكون إلا وبالًا عليهم، ويستحقون أشد العذاب جزاءَ ما ارتكبوا هذه الفاحشة الشنيعة». ا هـ.
أسأل الله أن يمُنَّ عليه بالتوبة وأن يردَّه إليه ردًّا جميلًا، اللهم آمين. والله تعالى أعلى وأعلم.

___________________

(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب «الحدود» باب «من عمل عمل قوم لوط» حديث (2562)، وأبو يعلى في «مسنده» (12/43) حديث (6687)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وذكره الكناني في «مصباح الزجاجة» (3/106) وقال: «هذا إسناد فيه عاصم بن عمر العمري وقد ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم والبخاري والنسائي والدارقطني وغيرهم»، وحسنه الألباني في «صحيح وضعيف سنن ابن ماجه» حديث (2092).

(2) جاء في«المنتقى» من كتب المالكية (7/141):«ومن وطئ امرأة في دبر فحكم ذلك حكم الزاني يرجم المحصن منهما ويجلد، ومن لم يحصن جلد قاله ابن المواز ورواه ابن حبيب عن ابن الماجشون، ووجهه أنه أحد فرجي المرأة كالقبل»

(3) جاء في«البجيرمي على الخطيب» من كتب الشافعية (4/176-177):« (وحكم اللواط) وهو إيلاج الحشفة أو قدرها في دبر ذكر ولو عبده أو أنثى غير زوجته وأمته.(وإتيان البهائم) مطلقا في وجوب الحد (حكم الزنا) في القبل على المذهب في اللواط فقط فيرجم الفاعل المحصن، ويجلد ويغرب غيره».

(4) جاء في«مطالب أولي النهى» من كتب الحنابلة (6/172-175):«والمذهب أن حد اللوطي كالزاني سواء».

(5) جاء في«المبسوط» من كتب الحنفية (9/77-79):« قال ومن أتى امرأة أجنبية في دبرها فعليه الحد في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى والتعزير في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وكذلك اللواط عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يوجب التعزير عليهما، وعندهما يحدان حد الزنا يرجمان إن كانا محصنين ويجلدان إن كانا غير».

(6) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/300) حديث (2727)، وأبو داود في كتاب «الحدود» باب «فيمن عمل عمل قوم لوط» حديث (4462)، والترمذي في كتاب «الحدود» باب «ما جاء في حد اللوطي» حديث (1456)، وابن ماجه في كتاب «الحدود» باب «من عمل عمل قوم لوط» حديث (2561)، والحاكم في «مستدركه» (4/359) حديث (8047)، من حديث ابن عباس ب، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وذكره الألباني في «صحيح وضعيف سنن أبي داود» حديث (4462) وقال: «حسن صحيح».

(7) «المبسوط» للسرخسي (9/77- 78).

(8) أخرجه أحمد (4/292). وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب (10/452): مرفوع، وله متابعة.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   12 فتاوى المرأة المسلمة, 15 الحدود

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend