فرض ضعف قيمة المسروق على السُّراق زمن الحرب في سوريا

شيخنا ووالدنا الحبيب.

نحن في هيئة أمن الثورة السورية تأتينا قضايا سرقة، بعضها صغير وبعضها كبير، وبعضها ممتلكات عامة وبعضها خاصة، وكلهم تَثبُت التُّهَمةُ عليهم، إما بالتلبُّس وإما بالاعتراف، وحيث إننا لا نتمكن من إقامة الحدود، وفي نفس الوقت لا نستطيع ترك اللصوص بلا عقوبة، فقد تعارفنا على فرض عقوبة مالية هي ضعف قيمة المسروق، أو رد عين المسروق ومثله معه أو قيمته.

والسؤال: ما رأي فضيلتكم فيما تعارفنا عليه؟ وهل يجوز لنا سجن المتهم الذي يزعم عدم القدرة على دفع الغرامة حتى نتأكد من صدقه ثم نُخلي سبيله وقد يتيسر ذلك بسرعة وقد يتأخر؟ وإذا تأكدنا من قدرته على الدفع مع امتناعه، هل يجوز لنا وضعه بالسجن مدة تقابل المبلغ المطلوب؟ وجزاكم الله خيرًا.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فإن الميسور لا يسقط بالمعسور، فإذا تعذر إقامة الحدود لعدم توفر القدرة على ذلك، وأمكن إقامة بعض العقوبات التعزيرية للردع عن الجرائم في حدود الممكن والمتاح، فلا يترك المتاح من التعازير من أجل المعسور من الحدود.

وقد رأينا حديث الكاساني عن تضمين الدية عند تعذر إقامة القصاص، وتضمين المال عند تعذر إقامة الحد وهو القطع.

قال الكاساني: «وكذلك لو كان أميرًا على سرية أو أمير جيش وزنى رجل منهم أو سرق أو شرب الخمر أو قتل مسلمًا خطأ أو عمدًا لم يأخذه الأمير بشيء من ذلك؛ لأن الإمامَ ما فُوِّض إليه إقامة الحدود والقصاص لعلمه أنه لا يقدر على إقامتها في دار الحرب، إلا أنه يضمنه السرقة إن كان استهلكها، ويضمنه الدية في باب القتل؛ لأنه يقدر على استيفاء ضمان المال»(1).

هذا فضلًا عن أن التعزير بالمال وتضمين السُّرَّاق وإضعاف الغرامة عليهم عند عدم توفر شروط إقامة الحد من المألوف في تصرفات الراشدين؛ فقد غرم عمر رضي الله عنه  حاطبًا ضعف ثمن ناقة الـمُزَنيِّ لما سرقها رقيقُه ونحروها(2)، وأضعف عثمانُ بن عفان  الدية في قتل المسلم للذمي عمدًا(3)؛ لأن دية الذمي نصف دية المسلم، وقد أُتي عثمانُ رضي الله عنه  برجل ضَمَّ إليه ضالةَ رَجُلٍ في الشهر الحرام فأُصيبت عنده فغرمها ومثل ثلث ثمنه(4).

ومثل ما يقال في الغرامة المالية يقال في عقوبة السجن، ولكن ينبغي مراعاة التناسب بين الجريمة والغرامة، ومراعاة الظروف الاستثنائية التي تمرُّ بها البلاد في هذه المرحلة الانتقالية، والحرص على ألا تُحدث هذه العقوبات احتقاناتٍ داخليةً يستثمرها خصومُ الجهاد لصالح الطغيان والطواغيت. فاستلهموا لله الرشد، وائتمروا بينكم بمعروفٍ. وأسأل الله لنا ولكم التوفيق.

والله تعالى أعلى وأعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «بدائع الصنائع» (7/131-132).

(2) أخرجه مالك في «موطئه» (2/748) حديث (1436).

(3) فقد أخرجه البيهقي في «الكبرى» (8/33) حديث (15711) عن الزهري، أن ابن شاس الجذامي، قتل رجلًا من أنباط الشام فرفع إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه  فأمر بقتله، فكلمه الزبير وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  فنهوه عن قتله، قال: فجعل ديته ألف دينار.

(4) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (9/302) حديث (17299).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   10 الوظائف والأعمال, 15 الحدود

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend