بين الغرامات التأخيرية على الديون وفسخ العقد بالكلية عند عدم السداد(2)

سألت فضيلتكم عن حُكم الغرامات التأخيرية التي يفرضها البائعُ على مشتري العقار بالقسط ليضمن سداده في الموعد فأفتيتم بحرمتها. فهل يجوز للبائع وضعُ هذا الشرط كبديلٍ للغرامات التأخيرية:
في حالة تأخُّر المشتري عن سداد أيِّ قسط يحقُّ للبائع فسخُ التعاقد وإعادة طرح الوحدة للبيع، مع تحميل المشتري جميعَ المصروفات اللازمة لإعادة طرح الوحدة للبيع، وكذلك تحميلُه أيَّ خسائرَ في حالة انخفاض سعرِ الوحدة السوقي في ذلك الوقت.
فإذا كان ذلك الشرط غيرَ جائز أيضًا فما هو البديل الشرعي حتى يحفظ البائع حقَّه في الحصول على الأقساط في مواعيدها. وجزاكم الله خيرًا.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلا حرج أن ينُصَّ في البيع بالتقسيط على أن يشترطَ البائعُ بالأجلِ حلولَ الأقساط قبل مواعيدها، عند تأخُّر المدين عن أداء بعضها، ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد. فإذا عجز عن ذلك فسخ العقد، وعادت الأمور سيرتها الأولى.
أما التعويض عن مصروفات الخصومة، وتعويض الخسائر الفعلية الناجمة عن انخفاض قيمة الوحدة، فهذا يفرق فيه بين المدين المعسر والمدين المليء؛ فإن كان المدين المماطل واجدًا فهذا حريٌّ بمثل هذه العقوبة، ويشرع تحميله بمصروفات الخصومة، كنفقات الشكاية، والمطالبة، والمحاماة، وأجور التحصيل، والتعقيب، التي يتكبدها الدائن لأجل حصوله على ماله من مدينه المماطل، إذا كان غُرمه لها على القدر المعتاد والوجه المعروف لا وكس ولا شطط، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ»(1). وقال صلى الله عليه وسلم: «مَطْلُ(2) الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»(3).
أما المدينُ المعسر فينبغي إنظارُه إلى ميسرة، ولا يُحمَّل شيئًا من ذلك، كما قال تعالى: في المدين المعسر: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280].
وقد نصَّ العلماءُ على هذا الحكم في المماطل، وأسوق لك طرفًا من أقوالهم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا كان الذي عليه الحقُّ قادرًا على الوفاء، ومطَلَ صاحبَ الحق حقَّه حتى أحوجه إلى الشكاية، فما غُرمه بسبب ذلك فهو على الظالم الـمُبطِل، إذا كان غرمُه على الوجه المعتاد »(4).
وقال ابن فرحون: «إذا تبيَّن أن المطلوبَ ألدَّ بالمدعي، ودعَاه الطالب إلى الارتفاع إلى القاضي فأبَى، فيكون على المطلوب أُجرة الرَّسُول إليه، ولا يكون على الطالب من ذلك بشيء»(5).
وقال في «كشاف القناع»: «وإن غَرِم إنسانٌ بسببِ كَذِبٍ عليه عند ولي الأمر، فله تغريمُ الكاذب لتسبُّبِه في ظلمه، وله الرجوعُ على الآخذ منه لأنَّه المباشر، ولم يزل مشايخُنا يُفتون به، كما يُعلم مما تقدم في الحَجْرِ فيما غرمه رب الدَّين بمطلِ المدين ونحوه؛ لأنه بسببه»(6).
وقال في «شرح المنتهى»: «وما غَرِم ربُّ دينٍ بسببه، أي بسببِ مطلِ مدينٍ أحوجَ ربَّ الدَّين إلى شكواه- فعلى مُماطلٍ لتسبُّبه في غُرمه، أشبه ما لو تعدَّى- أي بالغصب- على مالٍ لحَملِه أُجرة، وحمَلَه إلى بلدٍ آخر وغاب، ثم غَرِمَ مالكُهُ أجرةَ حملِه لعودِه إلى محلِّه الأول، فإنه يرجع به على من تعَدَّى بنقله»(7).
وفي النهاية أسوق لك قرارَ مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن البيع بالتقسيط تتميمًا للفائدة:
قرار رقم: 51 (2/6) [1] بشأن البيع بالتقسيط:
إن مجلسَ مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410 الموافق 14- 20 آذار (مارس) 1990م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع البيع بالتقسيط، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله- قرر ما يلي:
أولًا: تجوزُ الزيادة في الثَّمن المؤجل عن الثمن الحالِّ، كما يجوز ذكرُ ثمن المبيع نقدًا، وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصحُّ البيعُ إلا إذا جزم العاقدان بالنَّقد أو التأجيل. فإن وقعَ البيع مع التردُّد بين النقد والتأجيل بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمنٍ واحد محدد فهو غيرُ جائز شرعًا.
ثانيًا: لا يجوز شرعًا في بيع الأجل التنصيصُ في العقد على فوائد التقسيط، مفصولةً عن الثمن الحالِّ، بحيث ترتبط بالأجل، سواء اتفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة.
ثالثًا: إذا تأخَّر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدَّد فلا يجوز إلزامُه أيَّ زيادة على الدَّين بشرط سابقٍ أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربا محرم.
رابعًا: يحرم على المدين المليء أن يُماطل في أداء ما حلَّ من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعًا اشتراطُ التعويض في حالة التأخُّر عن الأداء.
خامسًا: يجوزُ شرعًا أن يشترط البائعُ بالأجل حلولَ الأقساط قبلَ مواعيدها، عند تأخُّر المدين عن أداء بعضها، ما دام المدينُ قد رضِيَ بهذا الشرط عند التعاقد.
سادسًا: لا يحقُّ للبائع الاحتفاظُ بملكية المبيع بعدَ البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهنَ المبيع عنده لضمان حقِّه في استيفاء الأقساط المؤجلة. والله تعالى أعلى وأعلم.

___________________

(1) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/222) حديث (17975)، وأبو داود في كتاب «الأقضية» باب «في الحبس في الدين وغيره» حديث (3628)، والنسائي في كتاب «البيوع» باب «مطل الغني» حديث (4689)، وابن ماجه في كتاب «الأحكام» باب «الحبس في الدين والملازمة» حديث (2427)، والحاكم في «مستدركه» (4/115) حديث (7065)، من حديث الشريد بن سويد رضي الله عنه. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وذكره العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (2/824) وصحح إسناده، وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» حديث (2919).

(2) تأخير سداد الدَّيْن من غير عذر.

(3) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب «في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس» باب «مطل الغني ظلم» حديث (2400)، ومسلم في كتاب «المساقاة» باب «تحريم مطل الغني وصحة الحوالة واستحباب قبولها إذا أحيل على ملي» حديث (1564) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4) «مجموع الفتاوى» (30/24-25).

(5) «تبصرة الحكام» (1/259).

(6) «كشاف القناع» (4/116-117).

(7) «شرح منتهى الإرادات» (2/156-158).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   01 البيع, 06 قضايا فقهية معاصرة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend