بين الاستقسام بالأزلام والقرعة

ما هو الاستقسام بالأزلام؟ وما الفرق بينه وبين القرعة؟ وهل يدخل فيها أننا مجموعة من البنات نريد أن نذهب إلى مكان فنقوم بإحضار ثلاث ورقات ونكتب في كل ورقة مكانًا والذي نختاره من هذه الأوراق نذهب إليه؟ فهل يعتبر هذا من الاستقسام بالأزلام؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن الأزلام هي السهام التي تكون عند الأصنام، وكانوا يستقسمون بها فيما يَهِمُّون به من المهمات والأمور العظام، مثل الزواج أو السفر ونحوه، فكان العرب فيما مضى في جاهليتهم كانوا إذا ما أراد الواحد منهم أمرًا من الأمور فإنه يعمد إلى استخدام قدحٍ به أسهمٌ، كُتب على أحدها «افعل»، وعلى الآخر «لا تفعل»، وعلى الثالث «تَرَوَّ»، أو نحو ذلك من الكلمات. فيأخذ منها سهمًا ويرى ما كُتب فيه، فإن كان «افعل» فإنه يُقدِم على فعل هذا الأمر على أنه مباركة من الآلهة المزعومة لفعله، وإن كان ما كُتب هو «لا تفعل» فإنه يترك فعل هذا الأمر على الفور لعدم مباركة الآلهة له، وإن كان المكتوب «ترو» أعاد رمي القداح، وهذا اعتقاد منهم بأن الآلهة مطلعة على الغيب وتعلم ما سيترتب على فعل هذا الأمر، وتشير على من يستقسمون بالأزلام بما تعلمه لهم من الخير، فكانوا يرجعون بشركهم إلى الأصنام التي تكون عندها هذه القداح يسألونها أيَّ الأمرين كان خيرًا لهم أن تأذن لهم فيه، فكان عملهم نوع عبادة للصنم وعكوف لآلهتهم، فحرَّم الله ذلك نصًّا في كتابه، قال تعالى: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ﴾ [المائدة: 3]
وليست القرعة من هذا السبيل، بل هي لجوء إلى الله جل وعلا وطلب الهداية منه، وقد تشتبه صورتها مع الصورة المنكرة من الاستقسام بالأزلام، إلا أن صورة الاستقسام بالأزلام شرك وضلال، وصورة القرعة توحيد وهداية، نظير السجدة، فإنها إن وقعت لله كانت عبادة من العبادات، وإن وقعت للصنم وقعت شركًا وغواية من الغوايات، فأين هذه من تلك؟!
وقد كان أبو حنيفة : في بداية الأمر يُنكر القرعة قياسًا، فلما وقف على النصوص التي استدلَّ بها جمهور أهل العلم(1) على جوازها رجع عن ذلك، كما حكى ابن المنذر ذلك عنه ونقل فيه قوله: «كنا قد أفتينا بحرمة القرعة قياسًا، فلما بلغنا النص عدنا في قولنا».
ومن أدلة جماهير أهل العلم على جواز القرعة أن ثلاثةً من الأنبياء قد اقترعوا: فنبي الله يونس عليه السلام  قد اقترع كما قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾  [الصافات: 141]، ونبي الله زكريا عليه السلام  قد اقترع كما قال تعالى في سورة «آل عمران»: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44]، ونبينا ﷺ قد اقترع في مواقف عديدة، ففي الصحيحين عن عائشة ل قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه( 2).
وذَكر القرعة مُقررًا لها، كما في الحديث الصحيح الذي رواه عنه النعمان بن بشير رضي الله عنه : «مَثَلُ القَائِمِ في حُدُودِ الله وَالوَاقعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَصَارَ بَعْضُهُمْ أعْلاها وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا جَميعًا، وَإنْ أخَذُوا عَلَى أيدِيهِمْ نَجَوا وَنَجَوْا جَميعًا»(3).
وما ورد في «صحيح البخاري»: عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ والصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، ولو يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»(4).
وأقرع النبي ﷺ في سكنى المهاجرين عندما دخلوا المدينة، ففي «صحيح البخاري» عن خارجة بن زيد بن ثابت: أن أم العلاء امرأة من الأنصار بايعت النبي ﷺ، أخبرته: أنه اقتسم المهاجرون قرعة، فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعه الذي توفي فيه… الحديث(5).
ومعنى ذلك أن المهاجرين لما دخلوا المدينة لم يكن لهم مساكن، فاقترع الأنصار في إنزالهم، فصار عثمان بن مظعون لآل أم العلاء فنزل فيهم.
والقرعة تكون كما قرر أهل العلم عند تساوي الحقوق وحدوث التنازع، وقد بوب الإمام البخاري في «صحيحه» بابًا أسماه «القرعة في المشكلات»، فإن لم يحدث تنازع مشكل فلا تُشرع القرعة، وهذا ما قصده الإمام البخاري : بهذا التبويب «القرعة في المشكلات»، أي تقريرًا لحكمِ متى تُشرع القرعة؟
وخيرٌ لك في مسألتك هذه أن تستخيري الله عز و جل ، فليس فيها تنازع على حقوق، بل فيها طلب الخيرة من الله عز و جل ، فخير لك الاستخارة والمضي بعدها إلى ما توجهت إليه، فإن كان خيرًا يسَّره الله، وإن كانت الأخرى صرفه. والله تعالى أعلى وأعلم.

____________________

(1) جاء في «فتح القدير» (9/439-443): «والقرعة لتطييب القلوب وإزاحة تهمة الميل».
وجاء في «التاج والإكليل» (7/407-408): «( وقرعة “408” وهي تميز حق ) . ابن رشد : وأما القسمة بالقرعة فهي التي يوجبها الحكم ويجبر عليها من أباها جعلت تطييبا لأنفس المتقاسمين ، ولا تصح إلا فيما تماثل أو تجانس من الأصول والحيوان والعروض لا فيما اختلف وتباين من ذلك ، ولا في شيء من المكيل والموزون ولا يجمع فيها حظ اثنين في القسم .
وجاء في «الأم» من كتب الشافعية (8/3-5): «فأصل القرعة في كتاب الله عز وجل في قصة المقترعين على مريم والمقارعي يونس مجتمعة ، فلا تكون القرعة والله أعلم إلا بين قوم مستوين في الحجة ولا يعدو، والله تعالى أعلم».
وجاء في «المغني» من كتب الحنابلة (6/120-122): «وإن تشاحا ، أقرع بينهما ؛ لقول الله تعالى: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}»

(2) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الشهادات» باب «القرعة في المشكلات» حديث (2688)، ومسلم في كتاب «التوبة» باب «في حديث الإفك وقبول توبة القاذف» حديث (2770).

(3) أخرجه البخاري في كتاب «الشركة» باب «هل يقرع في القسمة والاستهام فيه» حديث (2493).

(4) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «الاستهام في الأذان» حديث (615)، ومسلم في كتاب «الصلاة» باب «تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول» حديث (437).

(5) أخرجه البخاري في كتاب «الجنائز» باب «الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه» حديث (1243).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   01 البيع

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend