خصم الأوراق التجارية، وبيع الديون الآجلة بنقود حاضرة

السؤال:

أنا شاب أعمل في شركة استثمار عقاري كبرى بوظيفة رئيس حسابات، ومن المهام المسئول عنها هي حسابات البنوك، ويوجد عقد مع أحد البنوك هذه بتمويل الشركة بقرضٍ ربوي بالطبع، وذلك مقابل أن البنك يأخذ أوراق القبض الخاصة بالشركة وتأخذ الشركة نسبةً من إجمالي الورق المقدم، ويوجد ورق بتواريخ آجلة بالطبع.

ولكن نظرًا لأن الشركة موقفها المالي سيء جدًّا ونعاني من شبح الإفلاس، وبناء على ذلك تمَّ وقف التعامل من جانب البنك على هذا القرض، ولم تستلم الشركة أية مبالغ مالية مقابل الشيكات المقدمة من جانب الشركة، ولكن نأخذ بدلًا منها شيكات مرتدة وشيكات عملاء مستردَّة، ولكن من الممكن تفعيلُ العقد عن قريب بصورة أو بأخرى وسأكون أنا المتعامل مع هذا الملف، مع العلم أنني فكرت قبل سؤال حضراتكم أن أنقل الملف إلى زميل في القسم ولكن هذا المقترح سيكون غير واقعي، وذلك إن لم يتواجد زميلي بالقسم سأكون أنا المتعامل مع الملف، ولذلك سيكون الحل الآخر أن أترك العمل، مع العلم أنني أعمل في الشركة منذ ستة أعوام، وإذا طلبت الرحيل ستمتنع الشركة عن سداد مكافأة نهاية الخدمة المخصصة لي، مع العلم أنني متزوج ولدي طفل.

توجد معلومة أخرى عن الشركة، وهي عندما يتأخر العميل عن سداد القسط يتم احتسابُ فوائد تأخير على القسط، ولكني لا أتعامل مع هذا الملف في الشركة.

شكرا لكم وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فإن خصم الأوراق التجارية، وبيع الديون الآجلة بنقود حاضرة أقلَّ منها من صُوَر الربا.

ولا تشرع الإعانة على الربا، كتابةً أو إشهادًا أو نحوه؛ لعموم قوله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]. وحديث: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وقال: «هُمْ سَوَاءٌ»([1]).

ولا بأس بالعمل في هذه الشركة وأمثالها ما دام أصلُ نشاطها مشروعًا، على أن تتجنب التعاملات الربوية ما استطعت، فإنما عليها ما حُمِّلَت وعليك ما حُمِّلْت.

وأرجو أن يبعد الله عنك التعاملَ مع هذا العقد بحرصك وتحرِّيك، ولعلك تستعفي مديرَك من هذا العمل، وتُبيِّن له الحرجَ الذي يصيبك من ذلك، فإن لن يقبل منك، ولم يتيسر لك عملٌ بديل مناسب، وكنت في مسيسِ حاجةٍ إلى هذا العمل في الوقت الراهن- فلير الله من قلبك أنك كارهٌ لذلك، وأنك جادٌّ في البحث عن بديل مناسب، وأنك عازم على التحوُّلِ عن هذا العمل عند أول القدرة على ذلك. ثم تتخلص من نسبة من دخلك تساوي هذا النشاط المحرم من عملك، ولعلك تكون بذلك في دائرة الرخصة.

ومما هو جدير بالذكر أن مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا قد بحث موضوع العمل في مجال المحاسبة في دورة انعقاد مؤتمره الخامس بالبحرين، وانتهى إلى القرار التالي لعل تدبُّرَه يفيدك في تحرير موقفك الشرعي:

العمل في مجال المحاسبة:

  • العمل في مجال المحاسبة مشروع؛ لأن المحاسبَ يقوم بعمل فنيٍّ، بُني على أدوات عمل مشروعة، والأصل في الأشياء الإباحةُ، ولا حظر إلا لدليل شرعي.

إلا إذا كان في مؤسسات تُباشر الأعمالَ المحرمة كالاتِّجار في الخمر أو الخنزير، فإنه لا يجوز إلا إذا وُجدت ضرورة بضوابطها المقررة شرعًا، على أن تقدر هذه الضرورة بقدرها ويُسعى في إزالتها، وتُستصحب نية التحوُّل عن هذا العمل عند أوَّل القدرة على ذلك.

  • أما إذا اختلط الحلال بالحرام في الأعمال التي يتولى المحاسبُ تدقيقها؛ فإن غلب الحلال ساغَ الترخُّص في ذلك للحاجة.

ويتخلص من أجره بنسبةِ ما قام به من عملٍ محرمٍ، مع بقاء الشبهة التي تستدعي من العامل البحث عن عمل آخر لا شبهة فيه. وإن غلب الحرامُ استُصحب أصلُ المنع؛ تجنبًا للمشاركة في المحرمات أو الإعانة عليها، مع اعتبار الضرورات، على أن تُقدَّر بقدرها ويُسعى في إزالتها. والله تعالى أعلى وأعلم.

______________________

([1]) أخرجه مسلم في كتاب «المساقاة» باب «لعن آكل الربا ومؤكله» حديث (1598)، من حديث جابر رضي الله عنه.

تاريخ النشر : 30 يناير, 2022
التصنيفات الموضوعية:   02 الربا والصرف, 06 قضايا فقهية معاصرة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend