خدمة الزوجة أم الزوج

زوجى يأمرني بما لا أُطيق لخدمة أمه، علمًا بأنها ليست كبيرةً في السِّنِّ، كما أنها- والحمدُ لله- بصحة جيدة، وأنا عندي مسئولياتي في بيتي وأبنائي وزوجي، فيجعلني أمسح لها عمارة ستة أدوار كما أمسح لها شقتها وأنزل لها الزبالة وغيرها من الطلبات، علمًا بأنني أُعاني من تعب شديد في فقرات ظهري، وعندما أتحدث معه يعلي صوته لدرجة أنه قال: سأطلقك إن لم تفعلي كلَّ ما تأمرك به أمي. وسبَّ أمي وأبي.
ما حكم الشَّرْع في هذا الزَّوْج وأمه التي دائمًا ما تخلق المشاكل بيني وبين زوجي؟ وهل أنا مُلزمة بخدمتها بما لا أُطيق رغم أن لها خمسةً من الأولاد منهم بنتان؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فإن صحَّ ما تقولين ولم يكن لدى زوجك ما يدفع به هذا الادِّعاء فقد أخطأ الطَّرِيق إلى مرضاة ربِّه، إن اللهَ تعبده ببرِّه بأمه ولكن هذا لا يكون على حساب ظُلمه لأهله وقسوته عليهم، فإن الذي تعبَّده ببرِّه بأمه تعبَّده بالإحسان إلى أهله ومعاشرتهم بالمعروف، وقد علم المسلمون كافة أن الظلمَ ظلمات يوم القيامة(1)، وأن اللهَ يوم القيامة لا يُجاوزه ظلمُ ظالمٍ(2)، وأن اللهَ جلَّ وعلا قد أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم النَّاس بالقسط(3)، وأن الدِّيوان الذي لا يتركه اللهُ أبدًا حقوق العباد فيما بينهم؛ فقد قضى أن فيه القصاصَ لا محالة(4).
فنصيحتنا للزَّوْج أن يُراجع نفسه، وأن يستعتب قبل أن يفرط الأمر من يده بالموت فيقول: رب لولا أخرتني إلى أجل قريب(5)، ولكن هيهات هيهات، ويومئذٍ لا يُعذَّب عذابَه أحد ولا يُوثق وثاقه أحد(6).
ونصيحتنا للزَّوْجة أن تُعين زوجَها على ذلك، وأن تبذل ما تستطيع في الإحسان إلى أمِّه، وأن تحتسب ذلك عند الله عز وجل ، وأن تُدرك أن الدُّنْيا أيامٌ قلائل، وأن السَّعْيد الموفق من تزوَّد منها لآخرته.
ونسأل اللهَ التَّوفيق للجميع، واللهُ تعالى أعلى وأعلم.

_________________

(1) ففي الحديث المتفق عليه؛ الذي أخرجه البخاري في كتاب «المظالم والغصب» باب «الظلم ظلمات يوم القيامة» حديث (2447)، ومسلم في كتاب «البر والصلة والآداب» باب «تحريم الظلم» حديث (2579)، من حديث عبد الله بن عمر ب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

(2) فقد أخرج الطبراني في «الكبير» (2/95) حديث (1421) من حديث ثوبان رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «يُقْبِلُ الْـجَبَّارُ تَعَالَى يوم الْقِيَامَةِ فَيَثْنِي رِجْلَهُ على الْـجِسْرِ فيقول: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا يُجَاوِزُنِي ظَالِمٌ. فَيَنْصِفُ الْـخَلْقَ بَعْضَهُمْ من بَعْضٍ؛ حتى إنه لَيَنْصِفُ الشَّاةَ الْـجَمَّاءَ مِنَ الْعَضْبَاءِ بنطْحَةٍ نَطَحَهَا». وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/353) وقال: «رواه الطبراني وفيه يزيد بن ربيعة وقد ضعفه جماعة وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وبقية رجاله ثقات».

(3) قال تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].

(4) فقد أخرج أحمد في «مسنده» (6/240) حديث (26073)، والحاكم في «مستدركه» (4/619) حديث (8717)، من حديث عائشة ل قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الدَّوَاوِينُ عِنْدَ الله عز وجل  ثَلَاثَةٌ: دِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللهُ بِهِ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ الله مِنْهُ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللهُ. فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللهُ فَالشِّرْكُ بِالله قَالَ اللهُ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾  [المائدة: 72] وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَعْبَأُ اللهُ بِهِ شَيْئًا فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ تَرَكَهُ أَوْ صَلَاةٍ تَرَكَهَا فَإِنَّ اللهَ عز وجل  يَغْفِرُ ذَلِكَ وَيَتَجَاوَزُ إِنْ شَاءَ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللهُ مِنْهُ شَيْئًا فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا؛ الْقِصَاصُ لَا مَحَالَةَ»». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».

(5) قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: 44].

(6) قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ *  وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: 25، 26].

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 النكاح, 12 فتاوى المرأة المسلمة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend