بين اعتبار الولي الكفاءة في غير الخُلُق والدين وبين عضله

شيخنا الكريم، آسف على الاستعجال، ولكنني أعدُّ لمحاضرات أُلقيها غدًا إن شاء الله في فقه الزواج، وهناك قضية دقيقة أشكلت عليَّ وأحتاج إلى توضيحها:
لو رجعنا إلى الخلاف في اشتراط الكفاءة بين الفقهاء لوجدنا الأرجح في الظاهر قول المالكية في الاقتصار على اعتبار الاستقامة والخلق فحسب، لكن مع ارتياحي لهذا القول من حيث الأدلة إلا أنني أجد أن القضية بحاجة إلى تقييد زائد في هذا الزمان، لكن لا أجد ضابطًا لهذا التقييد.
فمثلًا، كثيرًا ما تأتينا إلى المساجد خلافات بين الفتاة الشابة الملتزمة التي تريد الزواج من أخٍ شاب مسلم وبين وليِّها (الوالد غالبًا)، فمع أن الشاب المتقدم يكون ذا دين وخلق، إلا أن النفس تستشعر أن للولي حقًّا في النظر في بعض القضايا الأخرى.
فلو كان الشاب المتقدم مثلًا ليست معه أوراق إقامة في البلد ويمكن أن يُطرد منه في أية لحظة، ألا يصح للولي أن يرده عن خطبة ابنته ولو رضيت البنت به، ولكن البنت قد تكون عاطفية ولا تُقدِّر حجم المخاطرة.
وكذلك لو كان الشاب المتقدم صعلوكًا لا مال له، فقد تقبل به الفتاة وإن كانت من عائلة موسرة وتقول: أنا مستعدة للصبر معه على شدة العيش. لكن الولي قد يمتنع ويقول: العالم اليوم قد تغيَّر، والمال قد أصبح مهمًّا في تحصيل الكثير من الضروريات. وهكذا.
ومثله لو أن الولي مثلًا رأى في الشاب شيئًا من قلة الفطنة والخبرة، ومن الصبيانية في التفكير والتعامل، فيخشى على ابنته الضياع واضطراب الحال، مع أن الفتاة تريده لسلامة دينه وخلقه.
فما هو الضابط في تقرير العَضْل من عدمه في مثل هذه القضايا؟ وهل للولي حقُّ الرفض خوفًا من مُخاطرة مظنونة؟ أم أن أمر المخاطرة إلى الفتاة إن رضيت به، فلها ذلك ولو بقلقِ وليِّها؟
نرجو منكم البيان، وعلى الله أجركم، وبارك الله فيكم.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فإن خلاف أهل العلم في هذه المسألة يعكس ثراء الفقه الإسلامي ووفاءه بمختلف الحاجات على مدى الزمان وعلى مدى المكان، ومن هنا تبرز قيمة كلمة عمر بن عبد العزيز التي أخرجها البيهقي في «المدخل»: «لا يسُرُّني أن أصحاب محمد لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة»(1). وكلمة الزركشي :: «اعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنيَّة قصدًا للتوسيع على المكلفين؛ لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل عليه»(2).
إن الحاجة قد تدعو في بعض الأزمنة أو الأمكنة إلى اعتبار بعض الاجتهادات الأخرى الواردة في هذا الباب، والضابط في هذا هو اعتبار المصلحة الشرعية كما يقدرها الولي، فإن تصرفات أصحاب الولايات مُقيَّدة بأن تكون لله طاعة وللمسلمين مصلحة.
وإن اختلف مع ابنته أو من جعلها الله تحت ولايته كان القضاء هو الحكم في ذلك، وقضاء القاضي يرفع الخلاف كما هو مقرر، والقضاء الشرعي جعلته الشريعة بين الله وعباده، يرفع الظلم ويُقيم العدل في حدود الوُسع والطاقة البشرية.
وينبغي على الأولياء كما يعتبرون مصلحة فتياتهم في اختيار الأصلح أن يعرفوا زمانهم وواقع الحال في هذه المجتمعات، فإن التصلب في ذلك قد يدفع الفتاة إلى التمرد على سلطان الولي والخروج عن ولايته بالكلية، في مجتمع يُعينها على ذلك، وتؤزها شياطينه على مثل هذا التمرد، والعاقل من عرف زمانه. والله تعالى أعلى وأعلم.

_________________

(1) أخرجه البيهقي في «المدخل» كما ذكره السخاوي في «المقاصد الحسنة» (1/70)، والعجلوني في «كشف الخفاء» (1/66).

(2) «البحر المحيط» (4/406).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 النكاح, 12 فتاوى المرأة المسلمة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend