الزواج بغير إشهار ولا تسجيل لدى الجهات الرسمية

نحن نعيش في مدينة صغيرة في إحدى ولايات الجنوب الأمريكي، ويوجد لدينا مسجد وجالية إسلامية لا تتعدى المائة فرد أغلبها من الطلبة، ولا يوجد بينهم عالم أو فقيه أو حتى دارس للعلوم الشرعية، ولكن يوجد رئيس للمسجد وكذلك أخ آخر يؤمنا في أغلب الصلوات لسكنه قريبًا من المسجد، وكلاهما عربيان يحملان الجنسية الأمريكية ويمتهنان تدريس بعض المواد العلمية للطلبة، وهما اللذان يخطبان خطبة الجمعة في أغلب الأحيان ولكن كلاهما لا يحمل أي شهادة أو دراسة في مجال الفقه أو العلوم الشرعية.
تعيش معنا في هذه المدينة أخت أمريكية طالبة في الجامعة عمرها لا يتعدى العشرين عامًا، وقد أسلمت منذ حوالي السنتين أو يزيد، وهذه الفتاة أبواها مسيحيان ومنفصلان وكلاهما لا يعيشان في الولاية التي نعيش فيها. سافرت هذه الفتاة إلى كندا العام الماضي لتتعلم اللغة العربية في أحد المعاهد هناك، وهناك تعرفت على شاب عربي مسلم وخُطِبَت له قبل أن تعودَ إلى مدينتنا مرة أخرى لإكمال دراستها. ولقد علمنا أن أم هذه الفتاة قد زارت الشاب في مدينته في كندا ووافقت على ارتباطه بابنتها. في الأسبوع الماضي حضر لمدينتنا هذا الشاب من كندا بمفرده- علمًا بأنه يعيش مع أسرته- للمرة الأولى لزيارة خطيبته خلال عطلة الكريسماس- عرض الشاب والفتاة على الأخ الذي يؤمنا وعلى رئيس المسجد رغبتهما في الزواج، فقام رئيس المسجد بإعطاء الشاب والفتاة ورقة فيها بضعة كلمات مكتوبة بالإنجليزية ليقول الفتى: «هل تقبليني زوجًا لك؟ وتقول الفتاة: نعم قبلت زواجك»– وكان ذلك بطلب وفي حضور الأخ الذي يؤمنا والذي باشر هذا العقد الشفوي بنفسه، معتبرًا نفسَه وكيلًا للزوجة، وأخ ثالث كشاهد ولم يكن هناك أحد أبدًا غيرهم ولم يتم إعلان أحد بهذا الأمر في حينه؛ لأنه تم بعد انصراف الناس من صلاة العصر. ثم انطلق الشاب ودخل بالفتاة على أنها زوجته، في منزل مؤجر من الأخ الذي يؤمنا إلى هذه الفتاة، دون أن يكون هناك عقد كتابي أو إعلان أو مهر أو إشهار. أكرر لم يكن هناك أي شيء كتابي على الإطلاق، وهما لم يتزوجا الزواج المدني الأمريكي كذلك. شعر الأخ الثالث بأن ما تم غير شرعي إطلاقًا وأنه شارك في ذنب وجرم عظيم وخاصة أن الأخ الذي يؤمنا لم يقم بالإعلان عن هذا الزواج في صلاة المغرب كذلك لم يفعل بعد صلاة العشاء- مما دعاه إلى مناقشة الأخ الذي يؤمنا في هذا الأمر؛ الذي فاجأه بأنه تزوج زوجته الأمريكية بهذا الأسلوب. ونتيجة لاعتراض الأخ الثالث على هذا العقد الغريب وعدم ارتياحه لما حدث وتحت ضغط منه قام الأخ الذي يؤمنا بإعلان الزواج عقب صلاة ظهر اليوم التالي دون أن يتم كتابة أي شيء، علمًا بأنه توجد عقود زواج شرعية بالمسجد. وعندما سألنا الأخ الذي يؤمنا عن جواز الزواج بدون أي عقد مدني أو شرعي يحفظ الحقوق والأنساب أجاب سيادته- وهو كما قلت في المقدمة لا يحمل أي درجة أو دراسة في أمور الدين- بأنه يجوز هذا الزواج، وأنه لم تكن هناك عقود أو مواثيق على عهد رسول الله ﷺ أو الصحابة وقال: إن الشاب والفتاة صالحين وعلى خلق وهما سعيدان بهذه الزيجة! وأضاف أيضًا بأنه تزوج بنفس الطريقة قبل أن يعقد الزواج المدني على زوجته الأمريكية.
المصيبة الكبرى أن هذه الفتاة تثق في كل من الأخ الذي يؤمنا ورئيس المسجد ثقة عمياء، ومعلوماتها عن الدين ليست قوية لحداثة عهدها بالإسلام، وليس لها ولي أمر في المدينة. وعندما طالبنا الأخ الذي يؤمنا بأن يقومَ العروسان بعمل العقد المدني في المحكمة إبراءً للذمة وعدَ بأنهما سوف يفعلان هذا عندما تتيسر الأمور.
وبعد أن مكث الشاب مع عروسه لمدة أقل من يومين عاد إلى كندا لارتباطه بالدراسة هناك على أن يعود بعد انتهائه من الدراسة. الأخ الثالث متأكد بأنه اشترك في جريمة عظيمة ويشعر بتأنيب الضمير منذ حضوره لذلك الموقف ولقد وصل به الحال إلى الاكتئاب واعتزال الناس رغم حداثة عهده بالمدينة، ولذا قررنا أن نسأل سيادتكم الآتي:
إذا كانت الزيجة غير صحيحة فما الذي يجب عمله الآن وقد دخل الشاب بالفتاة؟
– هل من كلمة تُقال لرئيس هذا المسجد وللأخ الذي يؤمنا؟ علمًا بأنه قد تم الاتفاق في الماضي على ألا يتم إجراء أي زيجة في المسجد إلا بعد الزواج المدني وتوثيقه في المحكمة.
– هل من كلمة تُقال للأخ الثالث لإخراجه من حالة الاكتئاب التي أصابته وإحساسه بالذنب؟ علمًا بأنه هو من كشف حقيقة ما تم وضغط على رئيس المسجد وعلى الأخ الذي يؤمنا لعلاج الأمر شرعًا وإعلان الحقيقة بدلًا من دفنها.
– مصيبة أخرى نخشاها وهي أنه من المتوقع وصول حوالي 25 طالبًا من إحدى الدول العربية إلى مدينتنا للدراسة عمر أكبرهم لا يتجاوز 17 عامًا– فماذا نفعل معهم إذا كرر رئيس المسجد والأخ الذي يؤمنا نفس بدعتهما وفُتْياهما مع أي منهم؟ برجاء أن تكون الإفادة بأسرع ما يمكن وبالأدلة الدامغة التي لا تقبل جدلًا ولا نقاشًا من أحد- وجزاكم الله خيرًا.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
عقد الزواج الذي تمَّ على النحو المذكور عقد صحيح، وعدم ذكر المهر لا يمنع من صحته، ويثبت للزوجة مهر المثل، كما أن عدمَ تسجيله قانونيًّا لا يمنع من صحته، فإن التسجيل ضمانة لاستيفاء الحقوق عند التنازع وليس شرطًا في صحة العقد، ولكن ينبغي على المراكز الإسلامية أن تحرصَ على استيفاء الشرعية القانونية لعقود الزواج تجنبًا للمساءلات القانونية، فإن تسجيل العقد يمثل ضمانة قانونية للحقوق تمنع التجاحد عند الخصومة، كما أن إعلانه على الملأ يقطع دابر الفتنة، ويمنع ألسنة قالة السوء من التخوض في الأعراض، ورحم الله امرأً أذهب الغيبة عن نفسه. والله تعالى أعلى وأعلم.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 النكاح, 12 فتاوى المرأة المسلمة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend