طلاق الرجل زوجته صوريًّا ليتزوج بأخرى

رجل مسلم يرغب في الزواج من امرأة ثانية، ولكن القانون لا يجوز التعدد، فقرر أن يطلق زوجته طلقة رجعية واحدة ومن ثم يتقدم للمحكمة المحلية بطلب الطلاق من الزوجة الأولى حتى لا يبقى في السجلات القانونية متزوجًا فيكون عرضة للسجن، فإذا ما أصدرت المحكمة وثيقة الطلاق تزوج الثانية وأرجع الأولى، علمًا بأنه لابد له من أن ينفصل عن زوجته الأولى لمدة عام كامل، ولابد من إحضار الشهود للشهادة أمام القاضي بانفصالهما لمدة عام.
فما حكم الشريعة المطهرة في هذا الزواج الصوري؟ علمًا بأن الزوجة الأولى أصبحت في عرف المحاكم المحلية غير متزوجة، ولو وقعت بينها وبين زوجها مشاكل في المستقبل فلن تستطيع أن تثبت زواجها منه؛ خصوصًا وأن زواجها لم يسجل في المحاكم الأمريكية، بل تم خارجها.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
الطلاق في الشريعة المطهرة رفع قيد النكاح باللفظ الدال عليه أو ما يقوم مقامه من إشارة مفهمة أو كتابة مستبينة، ويشترط لوقوعه البلوغ والعقل والاختيار، فلا يقع طلاق الصغير ولا المجنون ولا طلاق المكره في الصحيح من قولي العلماء لما ورد من أن الله قد رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهت عليه(1)، فإذا أكره شخص على الطلاق بما يتحقق به الإكراه شرعًا كضرب وحبس وإتلاف مال ونحوه فإن طلاقه لا يقع شريطة ألا ينوي الطلاق وقت التلفظ به حال الإكراه، أي ألا يوافق لفظه نية مستقرة في قلبه بالطلاق.
وعلى هذا فإن طلاق السائل للزوجة الأولى ليس طلاقًا صوريًّا، بل هو طلاق حقيقي تترتب عليه آثاره الشرعية كاملة؛ لأن حقيقة الإكراه الذي يسقط المسئولية عن الأقوال والأفعال لم تتحقق في هذه الصورة، فالإكراه في حقيقته الشرعية لابد أن يكون بأمر يلجئ المكرَه ويحمله حملًا على فعل ما أكره عليه لخوفه من إيقاع ما هدد به وعدم احتماله إياه، سواء كان ذلك في النفس أو في المال أو في غير ذلك مما يوقع به ضررًا ماديًّا أو أدبيًّا لا يحتمله على خلاف بين الفقهاء.
وهذا السائل مقيم في هذا البلد باختياره، فليس مكرهًا على الإقامة بها، وهو لم يفاجأ بقوانين هذه البلاد بل هو على علم بها منذ اللحظة الأولى، فلم يتحقق عنصر المفاجأة الذي يصحب الإكراه في غالب الأحوال فيسقط إرادة المكره ويبطل اختياره، ويعجز معه عن دفع ما يتهدده.
أما عقد زواجه ثانية على هذه الزوجة بعد تطليقها فهو عقد شرعي صحيح وإن لم يتم توثيقه في سجلات رسمية، ما دام مستكملًا لأركانه وشرائطه الشرعية؛ إذ لا ارتباط بين صحة العقد وبين إفراغه في سجلات رسمية، ولا يعني هذا التقليل من أهمية التوثيق الذي تحفظ به الحقوق وتقام به الحجة عند التنازع.
وعلى هذا فإذا لم يتيسر توثيق هذا الزواج في هذه البلاد لسبب أو لآخر وأمكن تسجيله في بلد إسلامي آخر ولو من خلال سفارته الموجودة في هذه البلاد فقد قضي الأمر وتحقق المقصود، وإن لم يتيسر ذلك فالأمر متروك إلى تقدير المرأة، فإن هي وثقت بدين زوجها وأمانته ورضيت أن تعيش معه بغير توثيق مكتفية بكفالة جماعة المسلمين فلها ذلك، وإلا فلا. والله تعالى أعلى وأعلم.

_____________

(1) أخرجه الحاكم في «مستدركه» (2/216) حديث (2801)، وابن حبان في «صحيحه» (16/202) حديث (7219)، والبيهقي في «الكبرى» (7/356) حديث (14871)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، بلفظ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْـخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وقال البيهقي: «جود إسناده بِشر بن بكر وهو من الثقات».

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   06 الطلاق

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend