زوج طلق زوجته عدة طلقات بين صريح في غضب وكنائي ومعلق

أنا رجل متزوَّج وكنت قد تشاجرت مع زوجتي شجارًا عنيفًا في ليلة ما أخرجني من عقلي, وفي صباح اليوم التالي استيقظت ووجدتها تَهمُّ بالخروج من المنزل, وعند سؤالي لها إلى أين؟ أجابتني: أنها قد قالت لي قبل فترة أن في هذا اليوم لها محاضرة في الجامعة، ولكن وقت سؤالي لم أكن أذكر أنها أخبرتني بذلك, وبسبب شدة غضبي من الليلة الماضية قلت لها: إذا خرجت فأنت طالق بنية ترويعها وترهيبها, فخرجت ولم تسمع لي فهل يقع الطلاق؟
مع العلم أنها كانت حاملًا في وقتها، ولم تكن نيتي تطليقَها، وإنما ترويعها وإظهارَ مدى غضبي منها، فهل تعتبر طلقة؟
لم نستفتِ أحدًا ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه بعد أيام ومرَّ أكثر من سنة, إلى أن مرضت والدتي ورقدت في المستشفى أيامًا, فأصبحت أعصابي ونفسيتي في الحضيض, و مما زادها سوءًا قول الأطباء لي: إن والدتك تحتاج إلى عملية جراحية, وكنت أزورها يوميًّا، وفي أحد الأيام بعد رجوعي من زيارة والدتي قامت زوجتي بمعايرتي، وإلقاء العبارات لي، كيف أنني أزور المرضى في المستشفيات وأجالسهم لساعات طويلة وأطمئن عليهم دائمًا, وكيف أنني وقت دخولها المستشفى ورقودها بها (أي زوجتي) قبل الولادة وبعدها لم أزرها ولم أقف بجانبها, مع أنني لم أزر أي مريض في فترة زواجنا سوى والدتي وزوجتي تعرف ذلك, وقد قلت لها: هذه أمي وهي عندي بالكون كله، فقالت: «طلقني». فقلت: «أنت طالق». و لم أكن ثائرًا وقت قولها ولا أدري كيف خرجت من فمي، ولم أكن أفكر في الطلاق أصلًا، فلا أدري كيف نطقتها ويصعب وصف حالتي وقتها، فلم أكن غاضبًا أو ثائرًا من المشادة الكلامية بيننا، ولم أكن أُعِرْ حديثها أيَّ اهتمام، بل كان جلُّ تفكيري وعقلي في أمي المريضة, وكأني في حالة من اللاوعي أو مغيب العقل بسبب نفسيتي وأعصابي التالفتيْنِ, ولم يكن في نيتي الطلاق، وحتى أني لم أفكر به أصلًا, مجرد أن قالت طلقني أنا قلت: أنت طالق. مباشرة، مع العلم أنها كانت حائضًا وقتها، فهل تعتبر طلقة؟
ولم نستفت أحدًا هذه المرة أيضًا، ورجعت أمورُ حياتنا كما كانت عليه, إلى أن جاءت ليلةٌ أخرى، واحتدم النِّقاش واشتد الجدال بيننا, وبدأنا بشَتْمِ بعضنا بعضًا عدة دقائق، وابتدأ الشجار العنيف, إلى أن طلبت منها السكوت؛ لأني أريد النوم فلم تسكت, وزادت شتائمها لي ودعاؤها عليَّ، وأنا صامت لعدة دقائق إلى أن ثرت وضاق بي الأمر, واستشطت غضبًا لأبعد الحدود, فشتمتها شتيمة بذيئة فردت بشتيمة بذيئة في عِرض أختي، فصمتنا نحن الاثنين ثم قمت لها و سألتها: ماذا قلت يا مجنونة؟! على أمل أن تعتذر وتُبدِيَ النَّدم بعد شتيمتها، فما كان منها إلا أن قالت: أنت قلت أنني إذا شتمتك فستطلقني، طلقني الآن إذن. فقلت: أنت طالق. و لم يكن في نيتي، ولكن بسبب غضبي الشديد وعصبيتي واستهتارها بالأمر فلم يكن لي سيطرة على نفسي وأحسست أن تكسيرَها واجب عليَّ.
والآن الأمرُ بيني وبين أهلها، وهم يطلبون فتوى للبتِّ في الأمر، مع العلم أنها قبل ذهابها لبيت أهلها كانت تريد فعلَ شيء، وهو أنها أرادت إضافة بعض الشباب لحسابها في الفيسبوك لمضايقتي وإغضابي وإغاظتي، فنهيتها عن إضافتهم، وبسبب غيرتي وحميتي قلت: أنت طالق إن فعلتِ وفعلتِ, ولم أكن أنوي التطليقَ، وإنما النهي بسبب تصرفاتها.
أفيدونا جزاكم الله خيرًا في هذه المعضلة، كم طلقة تعدُّ؟ مع العلم أني أقسم بالله غير حانثٍ أنه لم يكن في نيتي الطَّلاقُ في جميع الحالات بل كان شيطاني وغضبي الشديد وتغيُّب التفكير والعقل من شدة الغضب.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فعجيبٌ أنك لم تشرع في الاستفتاء إلا الآن، وقد مرَّت بك كل هذه الأهوال ولم تبادِر إلى عرض نازلتك على أحدٍ من أهل العلم ليأخذ بيدك وينير لك الطريق.
بالنسبة للطلقة الأولى فإن الظاهر وقوعُها؛ لأن الطلاق المعلق يقع عند وقوع المعلق عليه عند جماهير أهل العلم، ولم يبلغ غضبك فيما يظهر مبلغَ الإغلاق الذي لا يحتسب معه الطلاق.
بالنسبة للطلقة الثانية إن كنت كما تقول: «في حالة من اللاوعي أو مغيب العقل بسبب نفسيتي وأعصابي التالفتين, ولم يكن في نيتي الطلاق وحتى أني لم أفكر به أصلًا». فلعل هذه الطلقة لا تُحتسب لغياب القصد والإرادة، والدخول فيما يشبه الاستغلاقَ الذي لا يقع مع الطلاق، والمرء أمين على دينه. فهذا الحكم بناء على ما وصفت، ونحن لم نكن معك، ولم نشهد ما وصفت، ولن نكون معك عند الحساب، والمفتي أسيرُ المستفتي.
بالنسبة للطلقة الثالثة، إن كان قد استبدَّ بك الغضب، وفقدت معه السيطرة على نفسك فانطلقت الكلمات تحت تأثير هذا الغضب الجارف بلا قصد ولا إرادة، فذلك الإغلاق الذي لا يقع معه طلاق، لحديث: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ»(1)، ومرة أخرى، المرء أمين على دينه، ونحن لم نكن معك، ولن نكون معك عند الحساب.
أما الطلقة الرابعة فهي طلقة محتسبة، وصريح الطلاق لا يُنوَّى فيه صاحبُه، أي لا يُسأَل فيه عن نيَّته، وإنما يسأل عن النية في الطلاق الكنائي فقط.
وأخيرًا فإن هذه الحياة إذا لم تشهد تغييرًا جذريًّا في سلوككما فخيرٌ لكما أن تفترقا، بدلًا من هذا النزيف الذي لا يتوقف، والمشاحنات التي لا تهدأ، ولا بد أن تعلم أن إهمالك لأمرِ الاستفتاء طوال هذه المدة تقصيرٌ بيِّن، بل تقصير فاحش؛ إذ كيف طابت نفسك أن تطوي كل هذه الصحائف دون أن تعرضها على الشرعِ المطهر، وهب أنك طويتها اليوم، فمن يطويها عن الله يوم يقوم الحساب؟!
فبناءً على ما ذكرته من معلومات ووقائع، توجد طلقتان محتسبتان، وطلقتان لا يعتد بهما، وأمامكما فرصة أخيرة للمراجعة، إن كانت زوجتك لا زالت في العدة، أو تجديد العقد إن كانت قد خرجت من العدة، شريطة استصلاح الأحوال، والتغيير الجذري للسلوك، والتوبة الصادقة النصوح إلى الله عز وجل، وهو جل وعلا أهل التقوى وأهل المغفرة(2). واللهُ تعالى أعلى وأعلم.

______________________

(1) أخرجه أحمد في «مسنده» (6/ 276) حديث (26403)، وأبو داود في كتاب «الطلاق» باب «في الطلاق على غلط» حديث (2193)، وابن ماجه في كتاب «الطلاق» باب «طلاق المكره والناسي» حديث (2046)، والحاكم في «مستدركه» (2/ 216) حديث (2802). من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وحسنه الألباني في «إرواء الغليل» حديث (2047).

(2) قال تعالى: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 56].

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   06 الطلاق

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend