الوسواس القهري في الخلع والطلاق

بارك الله لنا ولكم بقدوم شهر الخير، أنا مُبتلًى بحديث النفس والوساوس، ويشهد ربي العظيم عجزت من مدافعتها ومقاومة هذه الوساوس والأفكار التي تُرَاودني في الصلاة وفي الأكل وفي ذهاب ومجيء، وحتى أثناء شُربي أقطع أنفاسي حتى لا أسمع صوتًا.
كنت مسافرًا بالطريق ومررت بمطعم، وكنت وقتها سميت الله ثم بدأت الأكل، فراودتني أحاديث نفس بالحلف بالطلاق بغير إرادة، ولم أتلفظ، وجاهدتها، حاولت وقاومتها بذكر الله والاستعاذة من الشيطان وإهمالها إلى أن ذهبت وكادت أن تجبرني بالحلف بدون وعي مني بالحلف، ولله الحمد قاومتها، ثم بعد ذلك انتقلت مني إلى الخلع وأتى التفكير والوساوس مني بغير شعور مني ولا إرادة، حتى كادت أن تخرج مني كلمة: خالعتك. بدون أي سبب ولا أي مبرر، ولم تطلُب مني زوجتي المخالعة ولا تُوجد بيني وبينها مشاكل، وإنما أفكار ووساوس وراودني الشك فيها ولست متأكدًا من التلفظ بها، وإن كان هناك تلفظ فهو بغير شعور مني، ويشهد الله أني حاولت مقاومتها ولكن قلة الدافع لها والمقاومة كرهتني حتى في الأكل.
أنا كاره لها وأحاول أن أمنع هذه الأحاديث بالنَّفس، فوجدت فتوى لابن عثيمين رحمه الله، هذا في حالة التلفظ إن قدَّر الله. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «قوله: (وإن خالعها بغير عوض أو بمحرم لم يصحَّ) لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]. فإذا خالعها على غير عوض فأين الفداء؟! لا فداء، وهذا هو المذهب».
وأيضا وجدت فتوى من موقعك إسلام ويب برقم 159457:
فإن كان الخُلع بلفظ صريح فيه بغير عوض فإنه يُعتبر كناية طلاق، ولا يقع بها إلا مع النية، ولا ينطبق عليه حكمُ لفظ الطلاق الصريح. هذا مذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة والحنفية. وذلك لأن الخُلعَ إما أن يكون فسخًا أو طلاقًا، فعلى اعتبار الخلع فسخًا فالفسخ لا يكون إلا بحصولِ سببٍ يقتضيه كعيب الزوجة، وإذا قلنا الخلع طلاق. فإنه ليس بصريح في حلِّ العصمة بل يُعتبر كنايةً فيه فلا يقع إلا مع النية.
قال ابن قدامة في «المغني» منبهًا على هذا التعليل: فإن تلفظ به بغير عوض ونوى الطلاق كان طلاقًا رجعيًّا؛ لأنه يصلح كناية عن الطلاق. وإن لم ينو به الطلاق لم يكن شيئًا. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، لأن الخلع إن كان فسخًا, فلا يملك الزوج فسخَ النكاح إلا لعيبها. وكذلك لو قال: فسخت النكاح. ولم ينو به الطلاق لم يقع شيء, بخلاف ما إذا دخله العوض, فإنه يصير معاوضةً, فلا يجتمع له العوض والمعوض. وإن قلنا: الخلع طلاق فليس بصريح فيه اتفاقًا, وإنما هو كناية, والكناية لا يقع بها الطلاق إلا بنية, أو بذل العوض, فيقوم مقام النية, وما وجد واحد منهما. ثم إن وقع الطلاق, فإذا لم يكن بعوض, لم يقتض البينونة إلا أن تكمل الثلاث. انتهى.
هذا في حالة التلُّفظ به، ومع العلم لست متأكدًا من التلفظ وإنما أفكار ووساوس راودتني لا أريدها، وأنا مكره فيها أثناء حديثي بالنفس فيها منعتها من الحلف بالطلاق، وجاءتني إلى الخلع بالأفكار التي لا أرديها. فهل آخذ بفتوى ابن عثيمين والشيخ السعدي رحمهما الله حيث قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: «أما الخلع، فكما قالوا: لابد أن يكون بعِوَض؛ لأنه ركنه الذي ينبني عليه، وإذا خلا منه، فليس بخُلعٍ، بل يكون طلاقًا رجعيًّا إذا نوى به الطلاق». انتهى من «الفتاوى السعدية»(362).
ومع هذا كله الزوجة لم تطلب الخلع ولا يوجد مشاكل أو قرينة على ذلك، وإنما أفكار ولا يوجد بيننا اتفاق على الخلع. هذا والله أعلم وعلى ما أقول شهيد.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلست في حاجة إلى الدخول في هذا المعترك الفقهي لأنك لم تُطلِّق ولم تُخالِع، وإن كان قد صدر منك تلفظٌ بشيء من ذلك وكنت على يقين من صدوره منك فإنك لا تؤاخَذ به، إلا إذا قصدت إليه عن رضًا وطمأنينة؛ لأنك مُستغلَق عليك طوال الوقت بسبب الوسواس القهري، و«لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقِ»(1)، فكيف وأنت ليس لديك إلا التوهم لا غير؟!
فأغلق ملف الحديث في هذا الأمر، ووفِّر على نفسك عناءَ الكدح بالبحث عن أحكام الخُلعِ والطلاق ونحوه، لأنك إلى الآن لم يقع منك شيءٌ من ذلك، ولا يترتب على هذه الوساوس أثرٌ، وقد يأتي التعمُّق في البحث والقراءة لمن كان في مثل هذه الظروف التي تعيشها بآثار سلبية. ولكن اسألْ من تثق في دينه وتقواه، واصدر عن فتواه، ولا تُكثر التنقل بين مواقع الفتوى، ولا القفز بين المفتين. بارك الله فيك، والله تعالى أعلى وأعلم.

____________________

(1) أخرجه أحمد في «مسنده» (6/ 276) حديث (26403)، وأبو داود في كتاب «الطلاق» باب «في الطلاق على غلط» حديث (2193)، وابن ماجه في كتاب «الطلاق» باب «طلاق المكره والناسي» حديث (2046)، والحاكم في «مستدركه» (2/ 216) حديث (2802). من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وحسنه الألباني في «إرواء الغليل» حديث (2047).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   06 الطلاق

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend