حول تخليل شعر المرأة عند غسل الجنابة

السؤال:

غسل الجنابة للمرأة، هل يجوز لها تخليلُ شعرِها إذا كان غسيلُ الشعر يُتلف شعرَها، وكما نعلم أن الشعر مهم جدًّا للمرأة ومن الأساسيات الجمالية للمرأة التي تُساعد على تقارب الحياة الزوجية، ومن عوامل استمرار الشهوة الجنسية بين الزوجين، وبالتالي صحة العلاقة الزوجية، وعدمه يجعل المعاشرة الزوجية صعبةً، مما يدفع كثيرًا من الغبن بين الزوجين، مما يترتب عليه توتُّر العلاقة الزوجية. وبالتالي انهيار الأسرة.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فإن «الطُّهُور شَطْرُ الْإِيمَانِ»([1]).

وحقيقة الغسل تعميمُ الجسد بالماء، ومنه غَسلُ الرأس وما عليه من الشعر، فإيصال الماءُ إلى البشرة في الغُسلِ الواجب واجبٌ بلا خلاف، وفي غَسل ما استرسل من الشعر وَبلُّ ما على الجسد منه، خلاف:

قال ابن قدامة في «المغني»: «فأما غَسلُ ما استرسل من الشعر، وبلُّ ما على الجسد منه ففيه وجهان:

أحدهما: يجب، وهو ظاهرُ قول الأصحاب ومذهب الشافعي، لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَبُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ». رواه أبو داود وغيره([2]). ولأنه شعرٌ نابت في محلِّ الغَسلِ، فوجب غَسلُه كشعر الحاجبين وأهداب العينين.

الثاني: لا يجب، ويحتمله كلام الخرقي، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ»([3])، مع إخبارها إيَّاه بشدِّ ضفر رأسها، ومثل هذا لا يبلُّ الشعر المشدود ضفره في العادة، ولأنه لو وجب بله لوجب نقضُه ليعلم أن الغسل قد أتى عليه، ولأن الشعر ليس من أجزاء الحيوان، بدليل أنه لا ينجس بموته ولا حياة فيه، ولا ينقض الوضوء مسُّه من المرأة، ولا تطلق بطلاقه، فلم يجب غسله للجنابة كثيابها. وأما حديث: «بلوا الشعر» فيرويه الحارث بن وجيه وحدَه، وهو ضعيف الحديث عن مالك بن دينار»([4]).

فإن كان المقصود غَسلُ ما استُرسِل من الشعر وبلُّ ما على الجسد منه ففيه الخلاف السابق، ويسعها الأخذُ بالرأي القائل بعدم الوُجوب.

أما إن كان المقصودُ تجنُّبَ غسلِ الرأس وبلِّ ما عليه من الشعر بالكلية فهذا الذي لا سبيل إلى قبولِه.

وقد انعقد الإجماعُ على خلافه، وما ذكرته لا يرقى إلى أن يكون عذرًا في تعطيل حدٍّ من حدود الله عز وجل وتغييب شعيرةٍ من شعائره، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن([5])، والمسلم الذي يتغيَّر قلبُه على زوجته لأنها تُقيم شعيرةً من شعائر الله أمسُّ ما يكون حاجةً إلى مناصحةٍ يشفيه الله بها من عِلَّته، وهو جدير بالدعاء والرثاء. والله تعالى أعلى وأعلم.

_____________________

([1]) أخرجه مسلم في كتاب «الطهارة» باب «فضل الوضوء» حديث (223) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.

([2]) أخرجه أبو داود في كتاب «الطهارة» باب «في الغسل من الجنابة» حديث (248)، والترمذي في كتاب «الطهارة» باب «ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة» حديث (106) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال أبو داود: «الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف».

([3]) أخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «حكم ضفائر المغتسلة» حديث (330)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها.

([4]) «المغني» (1/167-168).

([5]) فقد أخرج الترمذي في كتاب «القدر» باب «ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن» حديث (2140)، وابن ماجه في كتاب «الدعاء» باب «دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم» حديث (3834) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». فقلت: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟! قال: «نَعَمْ؛ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الله يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ»، وقال الترمذي: «حديث حسن».

تاريخ النشر : 16 ديسمبر, 2021
التصنيفات الموضوعية:   01 الطهارة, 12 فتاوى المرأة المسلمة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend