أدلة المالكية على طهارة الكلب

السؤال:

نشرت مؤخرًا بعضُ وسائل الإعلام فتوى لأحد كبار المفتين يتحدث فيها عن طهارة الكلب، وينسب ذلك إلى المالكية، فما هي أدلة المالكية على طهارة الكلب؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فإن جمهور أهل العلم على نجاسة الكلب، وخالف في ذلك المالكية فقالوا بطهارته، عرقًا ومخاطًا ولعابًا، ومن أدلتهم على ذلك ما يلي:

أولًا: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ– يَأْكُلُ- الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ». قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في هذه البهائم لأجرًا؟! فقال: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»([1]).

قالوا: هذا الحديث مما يستدل به على طهارة الكلب، فإن الرجل سقى الكلب في خفه، واستباح لُبسه في الصلاة دون غسلِه، إذ لم يُذكر الغسلُ في الحديث، وشرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد ناسخٌ.

وقد نوقش بأنه يُحتمل أنه أفرغَ الماء في شيء آخر فسقاه للكلب.

وعلى كل حال هذا شرع من قبلنا، وقد جاء في شريعتنا ما ينسخه، وهو ما جاء في «صحيح مسلم» من قوله صلى الله عليه وسلم: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»([2]).

الثاني: أن الكلاب كانت تُقبل وتُدبر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن شأنها وضعُ أفواهها بالأرض، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجِها، ولا بغسل ما مسته من أرض المسجد.

وقد نوقش باحتمال أن لا يكون هناك رطوبةٌ، والدليل إذا طرقه الاحتمالُ سقط به الاستدلالُ.

ولا يحفى بعدُ هذا التأويل، فإن الكلاب لهَّاثة، لا يخلو فيها عن الرطوبة وتساقط اللعاب، ولو سلم لوجب البحثُ والتفتيش عند دخولها، هل فيها رطوبة أو لا، وخصوصًا في المساجد التي هي بيوت الله عز وجل، ولو وقع لنُقِل؛ لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله، فإهمال ذلك وعدم المبالاة به ظاهرٌ في الطهارة.

الثالث: قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4]. فأمرنا الله بأكل ما أمسَكَه الكلبُ علينا من الصيد، ولم يشترط الربُّ غسلَه، فدلَّ على طهارة ريقه.

وقد نوقش بأن الآية تُقَيَّدُ بدليل آخر، كحديث مسلم: «إذا ولغ الكلب..». فقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4] أي بعد تطهيرِه وغسلِه سبعًا، إحداهن بتراب طهور.

الرابع: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تَرِدُها السِّبَاعُ والكلاب والحُمُر، وعن الطهارة منها فقال: «لَـهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ»([3]).

وقد نوقش بأنه يحتمل أن يكون الماء كثيرًا، وشأن الحياض الكثرةُ، وأنه «إذا بَلَغَ الْـمَاءُ قُلَّتين لَـمْ يَحْمِلِ الْـخَبَثَ»([4]).

وأجيب عن ذلك بأنه إطلاقٌ في محلِّ التقييد، وليس هذا هو المعهود من هديه صلى الله عليه وسلم.

الخامس: أن غسلَ الإناء من ولوغ الكلب لا يدلُّ على نجاسته، بل هو تعبُّدِيٌّ، كما أن الوضوء وسائرُ الاغتسالات الواجبة في طهارة الأعضاء لا تُوجب نجاسة الأعضاء. ولو كان نجسا لاكتفي في غسله بمرَّةٍ، من غير تحديد سبع، ولو كان الغسل سبعًا لأجل النجاسة، لكان الخنزير بذلك أولى، مع أنه لا يغسل إلا مرة.

وقد نوقش بأن القاعدة أن وجوبَ الغسل إما لحدثٍ أو خبثٍ أو تكرمةٍ، ولا حدث على الإناء ولا تكرمَةَ له، فتعيَّن غسلُه عن الخبث الحاصل فيه، من ولوغ الكلب. والتحديد بسبع أظهرُ في الدلالة على النجاسة وعلى تغليظِها، ولا يسلم أن الخنزير يغسل مرة فقط، بل هو مثلُ الكلب في وجوب السبع، بل أولى، إذ هو أسوأ حالًا من الكلب؛ فإن جمهور العلماء على نجاسته لقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]. لأن الضمير في قوله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] عائد على لفظ «الخنزير» لا على لفظ «لحم»؛ لأن اللحمَ معلومٌ بالنص عليه، فلو عاد الضمير عليه لزم خلوُّ الكلامِ من فائدة التأسيس، فوجب عَوْدُه إلى كلمة «خنزير»؛ ليفيد الكلام تحريمَ بقية أجزائه.

ومن خلال هذه العرض وما أورد عليه من إيراداتٍ يظهر أن قولَ الجمهور أسعدُ بالصواب. والله تعالى أعلى وأعلم.

______________________

([1]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الأدب» باب «رحمة الناس بالبهائم» حديث (6009)، ومسلم في كتاب «السلام» باب «فضل سقي البهائم المحترمة وإطعامها» حديث (2244).

([2]) أخرجه مسلم في كتاب «الطهارة» باب «حكم ولوغ الكلب» حديث (279) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([3]) أخرجه ابن ماجه في كتاب «الطهارة وسننها» باب «الحياض» حديث (519) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وذكره الكناني في «مصباح الزجاجة» (1/75) وقال: «إسناده ضعيف».

([4]) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/ 12) حديث (4605)، وأبو داود في كتاب «الطهارة» باب «ما ينجس الماء» حديث (63)، والترمذي في كتاب «الطهارة» حديث (67)، وابن ماجه في كتاب «الطهارة وسننها» باب «مقدار الماء الذي لا ينجس» حديث (518)، والدارمي في كتاب «الطهارة» باب «قدر الماء الذي لا ينجس» حديث (758)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وذكره النووي في «خلاصة الأحكام» (1/ 66) وقال: «صحيح صححه الحفاظ».

تاريخ النشر : 16 ديسمبر, 2021
التصنيفات الموضوعية:   01 الطهارة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend