معنى تصفيد الشياطين في رمضان

ما معنى تصفيد الشياطين في رمضان؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن حديثَ تصفيد الشياطين في شهر رمضان حديثٌ صحيح؛ فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْـجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ»(1). وفي رواية: «سلسلت»(2). وفي رواية عند الترمذي وابن خزيمة: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْـجِنِّ»(3).
والمراد بالشياطين: عمومُ الشياطين. وقيل: ليس المراد عمومَ الشياطين، ولكن المراد مُستَرِقُو السمع منهم بخاصة. وقال بعض أهل العلم: إن المصفَّد هم بعض الشياطين، وهم المردةُ. ذكره القرطبي وابن حجر.
والمراد بالتصفيد:
إما على الحقيقة: فيقلُّ إيذاؤهم للمؤمنين، فلا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ فيمتنعون من بعض الأفعال التي لا يطيقونها إلا مع الانطلاق. وليس في ذلك دليلٌ على امتناع تصرفها جملة؛ لأن المصفَّد هو المغلول العنق إلى اليد يتصرَّف بالكلام والرأي وكثير من السعي.
ويمكن الاستدلال لهذا بما رواه البخاري في «صحيحه» عن علي بن الحسين رضي الله عنهما قال: إن صفيةَ زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزورُه في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ». فقالا: سبحان الله يا رسول الله! وكبُر عليهما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا»(4). انتهى.
وقيل: إنها إنما تُغَلُّ عن الصائمين الصَّوْمَ الذي حُوفظ على شروطِه ورُوعيت آدابه.
وإما على المجاز: ويكون إشارةً إلى كثرةِ الثواب والعفو؛ لانكفافِ الناس عن المخالفات، وقلَّة إغواء الشياطين، فيصيرون كالمصفدين، ويكون تصفيدُهم عن أشياء دون أشياء، ولناس دون ناس. ذكر ذلك النوويُّ عن القاضي عياض في شرحه لمسلم، وصديق حسن خان في «عون الباري».
قال الباجيُّ في «شرح الموطأ»: ((قوله: «وصفدت الشياطين» يحتمل أن يريد به أنها تصفَّد حقيقةً، فتمتنع من بعض الأفعال التي لا تُطيقها إلا مع الانطلاق، وليس في ذلك دليلٌ على امتناع تصرُّفها جملةً؛ لأن المصفَّد هو المغلولُ العنق إلى اليد يتصرف بالكلام والرأي وكثير من السعي، ويحتمل أن هذا الشهر لبركته وثواب الأعمال فيه وغفران الذنوب تكون الشياطين فيه كالمصفدة؛ لأن سعيَها لا يُؤثِّر، وإغواءها لا يضر، ويحتمل أن يريد صنفًا من الشياطين يمنعون التصرف جملة، والله أعلم وأحكم))(5). انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: ((قوله: «وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». قال الحليمي: يحتمل أن يكون المرادُ من الشياطين مُستَرِقُو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دونَ أيامه، لأنهم كانوا مُنعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغةً في الحفظ، ويحتمل أن يكون المرادُ أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمعُ الشهوات وبقراءة القرآن والذكر، وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المرَدة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في «صحيحه»، وأورد ما أخرجه هو والترمذي والنسائيُّ وابن ماجه والحاكم من طريق الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْـجِنِّ». وأخرجه النسائي من طريق أبي قلابة عن أبي هريرة بلفظ: «وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ»(6). زاد أبو صالح في روايته: «وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْـجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْـخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ. وَلله عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ». لفظ ابن خزيمة. وقوله: «صُفِّدَتْ» بالمهملة المضمومة بعدها فاء ثقيلة مكسورة، أي شُدَّت بالأصفاد، وهي الأغلال، وهو بمعنى سُلْسِلَت، ونحوه للبيهقي من حديث ابن مسعود وقال فيه: «فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْـجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ الشَّهْرَ كُلَّهُ»(7). قال عياض: يحتمل أنه في ظاهره وحقيقته، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين. ويحتمل أن يكون إشارةً إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفَّدِين. قال: ويؤيد هذا الاحتمالَ الثاني قولُه في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم: «فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ»(8). قال: ويحتمل أن يكون فتحُ أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات، وذلك أسباب لدخول الجنة، وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات. قال الزين بن المنير: والأول أوجَهُ ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره…
وقال القرطبيُّ بعدَ أن رجَّح حمله على ظاهره: فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صُفِّدت الشياطين لم يقع ذلك: فالجواب: أنها إنما تُغَلُّ عن الصائمين الصومَ الذي حُوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم، كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمرٌ محسوس، فإن وقوعَ ذلك فيه أقلُّ من غيره؛ إذ لا يلزم من تصفيدِ جميعِهم أن لا يقع شرٌّ ولا معصيةٌ؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية))(9). انتهى. والله تعالى أعلى وأعلم.

___________________
(1) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الصوم» باب «هل يقال رمضان أو شهر رمضان ومن رأى كله واسعا وقال النبي صلى الله عليه وسلم من صام رمضان وقال لا تقدموا رمضان» حديث (1899)، ومسلم في كتاب «الصيام» باب «فضل شهر رمضان» حديث (1079).
(2) نفس التخريج السابق.
(3) أخرجه الترمذي في كتاب «الصوم» باب «ما جاء في فضل شهر رمضان» حديث (682)، وابن خزيمة في «صحيحه» (3/188) حديث (1883)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب «بدء الخلق» باب «صفة إبليس وجنوده» حديث (3281)، ومسلم في كتاب «السلام» باب «بيان أنه يستحب لمن رئي خاليًا بامرأة وكانت زوجته أو محرمًا له أن يقول: هذه فلانة. ليدفع ظن السوء به» حديث (2175).
(5) «المنتقى» (2/74-75).
(6) أخرجه النسائي في كتاب «الصيام» باب «ذكر الاختلاف على معمر فيه» حديث (2106).
(7) لم أقف عليه إلا عند عبد الرزاق في «مصنفه» (4/176) حديث (7384).
(8) أخرجه مسلم في كتاب «الصيام» باب «فضل شهر رمضان» حديث (1079) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(9) «فتح الباري» (4/114).

تاريخ النشر : 23 مايو, 2026
التصنيفات الموضوعية:   02 الحديث الشريف وعلومه, 05 الصيام
التصنيفات الفقهية:  

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend