التعويل على الحسابات الفلكية في رؤية هلال شهر رمضان وترك مشاهدة الهلال بالكلية

شيخنا الفاضل، أكرمك الله وحفظك.
في كل سنة يأتي رمضان وتبدأ معه حلقة المشادات والمنازعات بدل أن يدخل على قلوب المسلمين السكينة والهدوء لالتماس هذا الشهر الكريم، وتبدأ مع الأئمة المنازعات، فلا هؤلاء يقتنعون، ولا هؤلاء يرضون، والله المستعان على ما يصفون.
شيخنا الفاضل، نحن في هذه السنة محاطون بضغط كبير من أجل إثبات الشهر قبل الرؤية، والمشكلة أن المراكز التي حولنا تأخذ بهذه الطريقة، وغدونا في فرانكلين نحن الوحيدين الذين ننتظر الإثبات في وقته.
وهناك خمسة مجمعات إسلامية كبيرة في منطقتنا أثبتت من شهر شعبان بعد إصدار المركز الفلكي موعد ترائي الهلال، ولم يبقَ إلا مركزنا.
فهل لنا من حلٍّ أو مخرج والحال في منطقتنا هكذا؟ أم علينا أن نظل في صراع وجدال ومشادات لا مهرب منها ولا مفر؟
أفتونا في أمرنا أحسن الله إليكم؛ فقد أصبحنا نُتهم بأننا نفرق الأمة بتمسكنا بهذا الأمر، وأننا نفرق الأسرة المسلمة في الصيام وفي العيد.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن الحسابات الفلكية يُعوَّل عليها في النَّفي لا في الإثبات؛ فإن جزمت باستحالة الرؤية فمن زعم الرؤية فقد وهم، أما إذا قالت بإمكانها فالسُّنة الماضية أن يتراءى الناس الهلال ويثبت الشهر برؤية الهلال في حال الصحو أو بإكمال العدة في حال الإغمام.
وإن هذا الذي تذكره من إعراض الناس عن ترائي الهلال، والتعويل بالكلية على الحساب الفلكي وحده، هو نفسه الذي يقتضي مزيدًا من الثبات ومزيدًا من الصبر والمصابرة؛ حتى لا تنطمس معالم سُنةِ ترائي الهلال بالكلية، ويجتمع الناس عندكم على هَجْر هذه السنة الماضية منذ فجر الإسلام.
والجماعة أيها الموفق ما وافق الحق ولو كنت وحدك(1)، فأن ينصر الله السنة بك خير لك مما طلعت عليه الشمس، وأن قَدَرَ الدعاة أن يَصْبروا وأن يُعلِّموا الناس الصبر والمصابرة من خلال حالهم ومن خلال مقالهم.
وأُذكرك بكلمة الإمام أحمد : التي وإن لم تنطبق بالكلية على هذا المشهد فإن له منها كفلًا ونصيبًا:
«الحمد لله الذي جعل في كل زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم، يَدْعون من ضلَّ إلى الهدى، ويَصْبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويُبَصِّرون بنورِ الله أهلَ العمى، فكم مِن قتيلٍ لإبليس قد أَحْيَوه، وكم مِن ضالٍّ تائهٍ قد هَدَوْهُ. فما أحسنَ أَثَرَهم على الناس، وما أقبحَ أَثَرَ الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريفَ الغالِين وانتحالَ المُبطِلين وتأويلَ الجاهلين الذين عقدوا ألويةَ البِدعة وأطلقوا عِنانَ الفتنةِ! فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مُجْمِعون على مُفارقةِ الكتابِ، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير عِلمٍ، يتكلَّمون بالمتشابه مِن الكلام، ويخدعون جُهَّالَ الناسِ بما يُشبِّهون عليهم. فنعوذ بالله من فِتَنِ المُضلِّين»(2).
فاصبر على أمر الله، والله معك ولن يُضيعك إن شاء الله. والله تعالى أعلى وأعلم.

______________

(1) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (1/109)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (2/404).

(2) «الرد على الزنادقة والجهمية» للإمام أحمد بن حنبل ص6.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 الصيام

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend