صلاة القائم خلف القاعد

فضيلة الأستاذ الدكتور صلاح الصاوي، أرفع لفضيلتك كتابي هذا طلبًا للفتوى في مسألة أثارت جدلًا واسعًا بأحد المساجد المباركة في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، حيث جرت العادة أن يؤم المصلين الذين يقرُب عددهم من الألف في تلك الأيام المباركات إمامان يتناوبان فيما بينهما إمامة صلاة العشاء والقيام، أحدهما إمام وخطيب المسجد والآخر إمام صلاة الصبح، وفي إحدى الليالي حضر للمسجد أحد العلماء الأجلاء المدرسين بكلية الدعوة وأصول الدين، وكان هذا الشيخ المبتلى بمرض شلل الأطفال ذا صوتٍ نديٍّ حسن طيب، فقدمه أحد الإمامين ليؤم المصلين بصلاة العشاء، فصلى بنا العشاء قاعدًا لتعذُّر صلاته قائمًا وصلينا قائمين، وبعد أن قضيت الصلاة تقدَّم أحد الإمامين ليؤمَّنا في القيام، فثار جدل بين المصلين عن مدى صحة الصلاة، فهل تصح صلاة القاعد بالقائم، وفي حالة البُطلان هل تبطل الصلاة أم تبطل الجماعة؟ وهل يتوجب قضاؤها؟ وكيف يتسنى هذا؟ لما يتعذر من إعلام المصلين بعد انقضاء الصلاة وانصرافهم، وفي حالة وجود رأي يرى صحَّتَها فأيُّهما أرجح؟ وهل يعتبر عجز الشيخ عن القيام- في مطلق الأحوال- يجعله كصحيح الجسم فيعتبر كالقائم فتصح إمامته للقائم، وما مدى الاعتداد بقاعدة «من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره»؟ وهل يعذر بالجهل أو الخطأ في الاجتهاد من حضر الصلاة، إمامًا كان أو مأمومًا؟ مع ملاحظة أن كل من صلى لم يعلم أن الإمام كان قاعدًا سوى من كانت صلاته بالمحراب، أرجو أن تعذرني على إلحاحي على فضيلتك بالسؤال من حين لآخر، ولكني لا أملك أن أمنع نفسي من الكتابة لفضيلتك، وأنا أعلم أن لديكم ما يقطع جدلًا يثور حول مسألتي. جزاك الله عنا خيرًا، وجعل إقبالك على السائلين نورًا. وتقبل مني فائق الاحترام وجزيل الثناء.


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد اتفق أهل العلم على أنه ليس للصحيح أن يصلي فرضًا قاعدًا إذا كان منفردًا أو إمامًا لقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: 238]، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
واختلفوا فيمن صلى وهو صحيح قادر على القيام خلف إمام مريضٍ لا يقدر على القيام، وسببُ الاختلاف في ذلك تعارُض المأثور، فقد ورد في الباب حديثان صحيحان ظاهرهما التعارض:
الأول: حديث أنس وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسًا فصُرِع عنه، فجُحِش شِقُّه الأيمن فصلى صلاةً من الصلوات وهو قاعدٌ وصلَّينا وراءه قعودًا، فلمَّا انصرف قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِع اللهُ لِـمَنْ حَمِدَهُ، فقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْـحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ». وفي معناه أيضًا حديث عائشة في معناه، وهو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو شاكٍ جالسًا وصلَّى وراءه قومٌ قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسُوا، فلما انصرف قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا».
والثاني: حديث عائشة أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خرَج في مرَضِه الذي تُوُفِّي منه، فأتَى المسجدَ فوجدَ أبا بكر وهو قائمٌ يُصلِّي بالناس، فاستأخَرَ أبو بكر، فأشارَ إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ كما أنتَ، فجلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكرٍ يُصلِّي بصلاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانَ الناسُ يُصلُّون بصلاة أبي بكرٍ.
وقد سلك الناس في الجمعِ بين هذين الحديثين مسلكينِ: النسخ أو الترجيح:
فمن قال بالنسخِ، وهم الجمهور، قالوا: إن ظاهرَ حديث عائشةَ، هو أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام، كان يَؤُمُّ الناسَ، وأنَّ أبا بكر كان مُسمِعًا؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يكون إمامانِ في صلاة واحدة، وأن الناس كانوا قيامًا، وأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان جالسًا، فوجَب أن يكونَ هذا مِن فِعله عليه الصلاة والسلام؛ إذ كان آخرُ ما فعلَه ناسخًا لقوله وفعلِه المتقدِّم. ثم قالوا: إنَّ هذا مع أنَّه سُنَّة ناسخةٌ، فهو معقولٌ؛ لأن كلًّا من الإمام والمأموم مطالبٌ بأن يؤدي فرضه على ما يطيقه، فالإمام إذا لم يُطِق القيام صلى جالسًا وكان ذلك فرضه، وصلاة المأمومين غيره قيامًا إذا أطاقوه، وعلى كلِّ واحد منهم فرضه، فكان الإمام يصلي فرضه قائمًا إذا أطاق، وجالسًا إذا لم يطق، وكذلك يصلي مضطجعًا ومُومِئًا إن لم يُطِق الركوع والسجود، ويصلي المأمومون كما يطيقون، فيصلي كلٌّ فرضه فتجزي كلًّا صلاتُه.
وأما من ذهب مذهب الترجيح، فإنهم رجَّحوا حديث أنسٍ بأن قالوا: إن هذا الحديث قد اضطربتِ الرِّواية عن عائشة فيه، فيمَن كان الإمام، هل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر؟
والمسألة في موضعِ الاجتهاد، ولا ينبغي الإنكارُ في المسائل الاجتهادية، والذي يظهر لنا رجحانُ قول الجمهور؛ لما أوردوه من دلالة المنقول والمعقول، وصلاة المأمومين صلاة صحيحةٌ، فهم لم يتجانفوا لإثمَ، ولم يتعمَّدوا مخالفةً، والمسألة في أصلها في محلِّ الاجتهاد كما رأينا.
أما ما رُوِيَ عن مالكٍ : من عدم جواز إمامة القاعد ابتداءً، فمبني على حديث ضعيفٍ لا تثبُت بمِثله حجَّة، وهو ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَؤُمَّ أَحَدٌ بَعْدِي قَاعِدًا».
وهو حديث لا يصحُّ عند أهل العلم بالحديث؛ لأنه يرويه جابر الجعفي مرسلًا، وليس بحجة فيما أسنَدَ، فكيف فيما أرسلَ؟! ولا يقوى على معارضة الصحيحِ الوارد في هذا الباب، لأنَّ كِلا الحديثين الصحيحين قد اتَّفقا على جوازِ إمامة القاعدِ، وإنَّما اختلفَا في قيام المأموم أو قعودِه. والله تعالى أعلى وأعلم.

تاريخ النشر : 30 يناير, 2012
التصنيفات الموضوعية:   02 الصلاة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend