أعمل مديرًا لمجمع حلقات لتحفيظ القرآن، جُلُّ من فيه من المعلمين والطلاب من طلاب العلم المتخصصين في العلم الشرعي، وتأتينا من بعض دور النشر مجموعة من الكتب سنويًّا كزكاة.
فهل يجوز إعطاء الطلاب والمعلمين منها كهدايا وجوائز، من جهة أنها إنما جاءت للحلقات لا للأشخاص بأعيانهم، أم لا بد من التأكد من عدم صرفها لأحد من الطلاب والمعلمين إلا إذا كان من أهل الزكاة المستحقين لها؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن للزكاة مصارفَ حددها الله جل وعلا في كتابه كما هو معلوم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]. فـ«إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»([1]).
وقد استثنى أهلُ العلم من هذا الأخير طالبَ العلم الذي انقطع لطلَبِ العلم، فإنه وإن كان ذا مرة سويًّا، وقادرًا على الكسب، إلا أنه انقطع لطلبِ العلم، فإنه يُعان من الزكاة؛ لأن نفعه بطلب العلم متعَدٍّ إلى الغير، وعلى هذا فلا حقَّ للأغنياء من طلبة العلم فيما صُرف على أنه زكاة؛ لأن حِلَقِ العلم قد يجلس فيها أولادُ الأمراء وكبارُ الأثرياء، فلا نصيبَ لهم فيما خُصص على أنه زكاة، بل هو لغير القادرين من طلبة العلم.
جاء في «الموسوعة الفقهية»: ((اتَّفق الفقهاءُ على جواز إعطاء الزِّكاة لطالب العلم، وقد صرَّح بذلك الحنفيَّة والشَّافعيَّة، والحنابلةُ، وهو ما يُفهم من مذهب المالكيَّة… ومذهب الشَّافعيَّة والحنابلة أنَّه تحلُّ لطالب العلم الزَّكاةُ إذا لم يُمكن الجمع بين طلب العلم والتَّكسُّب؛ بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع عن التَّحصيل. وخصَّ الفقهاء جوازَ إعطاء الزَّكاة لطالب العلم الشَّرعيِّ فقط))([2]).
وينبغي على دُورِ النشر أن لا تُضيِّق في هذا الباب واسعًا، وأن تدرك أن حِلَق العلم يشهدها الغنيُّ والفقير، فتجعل ما تهديه إلى هذه الحلَقِ من قبيل الهباتِ أو التبرعات العامة، أو تجعل جزءًا منه على الأقل على هذا النحو ليرفعوا الحرج عن القائمين على هذه الحلق، وأظنُّ أنهم لو رُوجعوا في ذلك لتراجعوا، ولو نُصحوا لانتصحوا، ولو ذُكِّروا لتذكَّروا. زادكم الله حرصًا وتوفيقًا. والله تعالى أعلى وأعلم.
___________________
([1]) أخرجه أبو داود في كتاب «الزكاة» باب «من يُعطى من الصدقة وحد الغنى» حديث (1634)، والترمذي في كتاب «الزكاة» باب «ما جاء من لا تحل له الصدقة» حديث (652)، والدارمي في كتاب «الزكاة» باب «من تحل له الصدقة» حديث (1639) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه. وقال الترمذي: «حديث حسن».