حول اعتبـار تجهيـز المقابـر مـن الصـدقـات الجاريـة و تمـويلـها مـن أمـوال الـزكـاة

ســـــؤال:

هـل تعـد المقـبـرة مـن الصـدقـة الجـاريـة؟
وهـل يجـوز استخــدام أمـوال الـزكـاة لبنـاء مقبـرة للجـاليـة باعتبارها مشروعا من مشروعاتها العامة الحيوية فى خدمة الجاليةالمسلمة؟!
أفتـونـا مـأجـورين .

الجـــــواب:
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول اللهﷺ،
وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعـــد:
فلقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ﷺ قال: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له.)

وقال النووي رحمه الله:(قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة ; لكونه كان سببها ; فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلّفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف)
فالوقف اظهر أنوع الصدقة الجارية، وهو: حبس الأصل وتسبيل المنفعة، بمعنى أن توقف عين لها منفعة على الفقراء مثلا يملكون منافعها، وتبقى العين موقوفة لا تباع ولا توهب.
والأصل في ذلك ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺيستأمره فيها، فقال: يا رَسُولُ اللَّهِ، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها» قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل،والضيف ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول قال: فحدثت به ابن سيرين، فقال: غير متأثِّل مالاً.)

ومن أمثلة الصدقة الجارية: بناء مسجد، أو إنشاء مكتبة إسلامية لخدمة العلم والعلماء، ‏أو بناء المستشفيات لا سيما في مناطق الكادحين والمأزومين، أو بناء بيوت إيواء للعجزة والأرامل والمساكين، أو بناء المدارس، أو دور لتحفيظ القرآن الكريم، أو بناء بيوت تؤجر ويخرج ريعها ‏للفقراء والمساكين، ومنها موضوع السؤال، وهو تجهيز مقبرة إسلامية لما يوفره ذلك للمسلمين من حاجة دينية في غاية الأهمية، قد يغفل عنها بعض الناس لإنشغالهم في شئونهم الحياتية، واستغراقهم في علائقها!
‏ والأصل في المقبرة أن تجهز للمتوفى من ماله إن كان له مال، ويقدم ذلك على الدين والوصية والميراث فكما تقدم الديون والوصايا على الإرث، يقدم تجهيز الميت على ذلك كله.، فتكاليف الدفن والتجهيز تدفع من مال الميت بإتفاق العلماء، لأن هذا من أصول حوائج الميت؛ فصار كنفقته في حال حياته، ومن الأدلة عليه قول النبيﷺفي الرجل الذي مات بعرفة : ( وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ ) رواه البخاري (1851) ومسلم (1206) .

قال ابن القيم في “زاد المعاد” (2/240) في الأحكام المستفادة من هذا الحديث : (أن الكفن مقدم على الميراث ، وعلى الدَّين، لأن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:أمر أن يكفن في ثوبيه، ولم يسأل عن وارثه، ولا عن دَيْن عليه، ولو اختلف الحال لسأل) .وكما أن كسوته في الحياة مقدمة على قضاء دَيْنه، فكذلك بعد الممات، وقال الكاساني في “بدائع الصنائع” ( 2/330) : ” ويكفن من جميع ماله قبل الدين والوصية والميراث، لأن هذا من أصول حوائج الميت؛ فصار كنفقته في حال حياته ” انتهى

وإذا لم يكن للميت مال انتقل الواجب إلى من تلزمه نفقته (كالأب والابن والزوج)، فإن لم يكن وجبت من بيت المال إن وجد، وإلا فعلى جماعة المسلمين.

ويجب على الزوج كفن امرأته في الصحيح، موسرة كانت أو معسرة، وهو من النفقة، ومن المعاشرة بالمعروف، وأما الزوجة فلا يلزمها كفن زوجها، لأنها لا يجب عليها أن تنفق عليه حال الحياة. قال الكاساني في “بدائع الصنائع” (2/330) : ” ولا يجب على الزوجة كفن زوجها بالإجماع , كما لا يجب عليها كسوته في حال الحياة ” انتهى .

( حول إخراج بعض أموال الزكاة لتأمين مقابر الفقراء أو إصلاحها؟)
يجوز للمراكز الإسلامية أن تجمع مالًا من الوقف والصدقات التطوعية لشراء مقابر للمسلمين؛ لأن ذلك من أعمال الخير والبر، لا سيما مع حاجة المسلمين.
وأما شراؤها وتجهيزها من مال الزكاة ففيه تفصيل:
• إن كان للفقراء والمساكين من المسلمين لتأمين ما اصطلح على تسميته مقابر الصدقة، ونضبت أموال التبرعات والصدقات التطوعية، وتعينت الزكاة سبيلاً وحيدًا لتأمينها فلا حرج في هذه الحالة، والغالب أن تكون هذه حالات فردية، وليست أصلا يستصحب إلا في المناطق المعدمة الكادحة!

• أما إذا أمكن تجهيز هذه المقابر من التبرعات والصدقات التطوعية فهذا موضع النظر، والجمهور على أنه لا ينبغي أن يصار في ذلك إلى أموال الزكاة، فإن للزكاة مصارفها المحددة نصًا في كتاب الله عز وجل، وليس منها تأمين المقابر العامة،
والقول بأن مصدر في سبيل الله يشمل الإنفاق في كل أبواب الخير العامة ينعكس على الحصر الوارد في الآية بالنقض، وينعكس على التخصيص الوارد فيها بالإبطال.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” ولا حجة لمن قال إن قوله : (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) يشمل كل أعمال الخير ، لأن “سبيل الله” هو الطريق الموصل إليه .نقول: هذا خطأ، أولاً : لأن الله ذكرها في باطن أشياء معينة، يعني لو كانت في الآخر لقلنا: تعميم بعد تخصيص، أو في الأول لقلنا: تخصيص بعد تعميم ، أما أن يذكرها في جوف المستحقين ويقول : “وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ” ، فهذا يدل على أن المراد : ( وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ) : شيء خاص ، وهو الجهاد في سبيل الله .وأيضاً لو قلنا: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) عام لكل خير، لكان ذكر الحصر لغواً لا فائدة منه ” . انتهى من “شرح الكافي”

ولكن يبقى أن هذه المسألة من مسائل الاجتهاد، وأن القول بإدخال مال الزكاة في شراء مقابر عامة لفقراء المسلمين، أو ما يسمى بمقابر الصدقة، عملًا بالقول المرجوح من أن مصرف “في سبيل الله” قول له سلف، وقد سبق إلى القول به بعض أهل العلم

أما إطلاق القول بأن المقابر تبنى ابتداء من أموال الزكوات الواجبة بحيث تتاح لجميع موتى المسلمين غنيهم وفقيرهم فهو قول غريب!
لعله لا يعرف عن أحد ممن سبق من أهل العلم فيما نعلم، إذ كيف يخصص لأغنياء المسلمين قبور من أموال الزكوات، وفي أموالهم متسع لقبورهم؟!

إننا كما نقول إنه لا يجوز للمساجد أن تجعل مشروع تفطير صائم على سبيل المثال من أموال الزكوات لأن المساجد يغشاها الغني والفقير، اللهم إلا إذا خصص هذا الشروع للطبقات المعدمة التي تعد ابتداء من مصارف الزكاة.
وكما نقول إنه لا يجوز إطلاق القول بتأمين المستشفيات العامة من أموال الزكاة وإتاحتها لجميع مرضي المسلمين غنيهم وفقيرهم، اللهم إلا إذا خصصت مستشفيات للطبقات المعدمة التي تعد ابتداء من مصارف الزكاة، أو أقسام في المستشفيات العامة تكون خاصة بهم فلا ينتفع بها أحد غيرهم، فكذلك يقال في تأمين المقابر!

أفرأيت كبار الأطباء والمحامين وسائر الموسرين من رجال الأعمال وغيرهم هل يجوز أن يقال إنه يشرع تخصيص قبور لهؤلاء من أموال الزكاة؟!⁉️

لقد كان مدار الخلاف حول قبور الفقراء والمساكين: هل يجوز تأمينها من أموال الزكاة؟ أم أنها تكون من التبرع المحض والصدقات التطوعية؟ أما القول بأن المقابر تبنى جميعًا من حيث المبدأ من أموال الزكوات الواجبة بحيث تسع الغني والفقير فهو قول غريب!!

ولعل القائل به لا يقصد إلى هذا الإطلاق، بل يقصد مقابر الصدقة على وجه التحديد والتي تخصص للفقراء والمساكين.

هذا وباللهِ التوفيـق و الله أعـلىٰ وأعلـم

تاريخ النشر : 07 مايو, 2021
التصنيفات الموضوعية:   04 الزكاة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend