مزايا موافقة يوم عرفة يوم الجمعة

السؤال:

هل هناك ميزة لاجتماع وقوف عرفة والجمعة في يوم واحد؟ وهل صحَّ أن الحج حينئذٍ يعدِلُ سبعين حجة؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فقد ذكر ابنُ القيم رحمه الله عدةَ مزايا لموافقة موقف عرفة يوم الجمعة، ونُوردها بنصها لما تتضمنه من فوائد جليلة.

قال رحمه الله: ((والصواب: أن يوم الجمعة أفضلُ أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النَّحر أفضلُ أيام العام، وكذلك ليلة القدر وليلة الجمعة، ولهذا كان لوقفةِ الجمعة يومَ عرفة مزيَّة على سائر الأيام من وجوه متعددة:

أحدها: اجتماعُ اليومين اللذيْن هما أفضل الأيام.

الثاني: أنه اليوم الذي فيه ساعةٌ محققة الإجابة، وأكثر الأقوال أنها آخرُ ساعة بعد العصر، وأهل الموقف كلهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع.

الثالث: موافقتُه ليوم وقفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرابع: أن فيه اجتماعَ الخلائق من أقطار الأرض للخطبة، وصلاة الجمعة، ويوافق ذلك اجتماع أهل عرفة يوم عرفة بعرفة، فيحصل من اجتماع المسلمين في مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصل في يوم سواه.

الخامس: أن يوم الجمعة يوم عيد، ويوم عرفة يوم عيد لأهل عرفة، ولذلك كُره لمن بعرفة صومُه.. قال شيخنا- أي: ابن تيمية-: وإنما يكون يوم عرفة عيدًا في حق أهل عرفة؛ لاجتماعهم فيه بخلاف أهل الأمصار؛ فإنهم إنما يجتمعون يومَ النحر، فكان هو العيد في حقهم، والمقصود: أنه إذا اتفق يوم عرفة ويوم جمعة: فقد اتفق عيدان معًا.

السادس: أنه موافق ليوم إكمال الله تعالى دينَه لعباده المؤمنين وإتمام نعمته عليهم، كما ثبت في «صحيح البخاري» عن طارق بن شهاب قال: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين آية تقرءونها في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت ونعلم ذلك اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيدًا قال: أيُّ آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فقال عمر بن الخطاب: إني لأعلم اليومَ الذي نزَلَتْ فيه، والمكان الذي نزَلَتْ فيه، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرَفَة، يومَ جمعة، ونحن واقفون معه بعرفة([1]).

السابع: أنه موافق ليومِ الجمع الأكبر، والموقف الأعظم يوم القيامة؛ فإن القيامة تقومُ يومَ الجمعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فيه الشَّمْسُ يَوْمُ الْـجُمُعَةِ؛ فيه خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْـجَنَّةَ، وَفِيهِ أُهْبِطَ منها، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يُصَلِّي فَيَسْأَلُ اللهَ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»([2]).

الثامن: أن الطاعةَ الواقعة من المسلمين يوم الجمعة وليلة الجمعة أكثرُ منها في سائر الأيام، حتى إن أكثر أهل الفجور يحترمون يوم الجمعة وليلته، ويرون أن من تجرَّأ فيه على معاصي الله عز وجل عجَّل اللهُ عقوبته ولم يمهله، وهذا أمرٌ قد استقرَّ عندهم، وعلِموه بالتجارب، وذلك لعِظَم اليوم وشرفه عند الله، واختيارِ الله سبحانه له من بين سائر الأيام، ولا ريب أن للوقفة فيه مزيَّة على غيره.

التاسع: أنه موافق ليوم المزيد في الجنة، وهو يوم جمعة، فإذا وافق يوم عرفة كان له زيادة مزيَّة واختصاص وفضل ليس لغيره.

العاشر: أنه يدنو الرب تبارك وتعالى عشيَّة يوم عرفة من أهل الموقف، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: «ما أراد هؤلاء، أُشهِدُكم أني قد غفرت لهم»([3]). وتحصَّل مع دنُوِّه منهم تبارك وتعالى ساعةُ الإجابة التي لا يَرُدُّ فيها سائلًا يسأل خيرًا، فيقربون منه بدعائه والتضرع إليه في تلك الساعة، ويقرب منهم تعالى نوعين من القرب، أحدهما: قرب الإجابة المحققة في تلك الساعة، والثاني: قربه الخاص من أهل عرفة، ومباهاته بهم ملائكته، فتستشعر قلوب أهل الإيمان هذه الأمور فتزداد قوَّة إلى قوتها، وفرحًا وسرورًا وابتهاجًا، ورجاء لفضل ربها وكرمه، فبهذه الوجوه وغيرها فضلت وقفة يوم الجمعة على غيرها.

وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل ثنتين وسبعين حجة فباطلٌ لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة والتابعين))([4]).

وسئل علماءُ اللجنة الدائمة ببلاد الحرمين: يقول بعض الناس: إن يوم عرفة إذا صادف يوم جمعة كهذا العام يكون كمن أدَّى سبع حجات، هل هناك دليل من السنة في ذلك؟

فأجابوا:

ليس في ذلك دليلٌ صحيح، وقد زعم بعض الناس أنها تعدل سبعين حجة، أو اثنتين وسبعين حجة، وليس بصحيحٍ أيضًا. «فتاوى اللجنة الدائمة» ( 11/210، 211).

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: هل ورَدَ شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل كون الحجِّ حج الجمعة؟

فأجاب: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الجمعة إذا صادف يوم عرفة، لكن العلماء يقولون: إن مصادفته ليوم الجمعة فيه خير:

أولًا: لتكون الحجة كحجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادفَ وقوفُه بعرفة يومَ الجمعة.

ثانيًا: أن في يوم الجمعة ساعةً لا يُوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياها([5]). فيكون ذلك أقرب للإجابة.

ثالثًا: أنَّ يومَ عرفة عيد ويوم الجمعة عيد، فإذا اتفق العيدان كان في ذلك خيرٌ.

وأما ما اشتُهر من أن حَجَّةَ الجمعة تُعادل سبعين حجة فهذا غير صحيح.

والله تعالى أعلى وأعلم.

_________________________

([1]) أخرجه البخاري في كتاب «المغازي» باب «حجة الوداع» حديث (4407).

([2]) أخرجه الترمذي في كتاب «أبواب الجمعة»  باب «في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة» حديث (‏475‏) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث صحيح».

([3]) أخرجه مسلم في كتاب «الحج» باب «في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة» حديث (1348) من حديث عائشة رضي الله عنها.

([4]) «زاد المعاد» ص60.

([5]) أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة» حديث (1046) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وذكره الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1046).

تاريخ النشر : 30 يناير, 2022
التصنيفات الموضوعية:   06 المناسك

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend