رمي الجمار قبل الزوال أيام التشريق

السؤال:

ما حكم رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فإن الأصل في رمي الجمار في أيام التشريق أن يكونَ بعد الزوال، فهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحيَّن الزوالَ ويحبس أصحابَه حتى تزولَ الشمسُ، فإذا زالت رمَى وأذن لهم في الرميِ، وهو القائل: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»([1]).

وقد كان منهجُه التيسيرَ خصوصًا في الحج، وهو القائل: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا»([2]).

فلو كان الرميُ قبل الزوال من جملةِ التيسير المشروع لعَمِلَ به صلى الله عليه وسلم وأذن به لأصحابِه، فلما لم يفعل ولم يأذن دَلَّ على أن الأصل هو عدمُ مشروعية الرمي بعد الزوال، وهذا هو ما عليه جماهير أهل العلم.

وخالف في ذلك أبو حنيفة فأجاز الرميَ قبل الزوال يوم النَّفر الأول، ولكنه لا ينفر إلا بعد الزوال، وهو رواية عن أحمد كذلك، وبه قال طاوس وعكرمة وإسحاق بن راهويه، وأجاز طاوس أن يَنفِرَ قبل الزوال كذلك، ورخص بعضهم في الرميِ قبل الزوال في أيام التشريق كلها.

ومما استدل به المجيزون:

  • قول الله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203]. قالوا: إن اليوم يعمُّ أول النهار وآخره.
  • قياس الأولى: فإن المشروعَ يوم العيد رميُ جمرةٍ واحدة، ومع ذلك تُرمى قبل الزوال، والمشروع في بقية الأيام رميُ الجمار الثلاث، فمن باب أولى تُرمى قبل الزوال لأنه ينبغي توسيعُ وقت الرمي فيها لا تضييقه.
  • قياس اليوم الحادي والثاني والثالث عشر على يوم العيد؛ بجامع أن الكلَّ أيامَ نحر وتشريق.
  • قياسُ جواز الرمي قبل الزوال بجواز الرمي ليلًا للرُّعاة والسُّقاة وذوي الحاجات بجامع الحاجة في كلٍّ، فمتى أُجيز لذوي الأعذار الرميُ من أي ساعةٍ من ليل أو نهار، فإن العذر الحاصلَ الآن من شدة الزحام ومشقته وخطورته على الأنفس آكدُ من كل عذر.

وقد أجيب عن هذه الأقيسة بأن مبنَى هذا الباب على التوقيف، وأنها أقيسة وقعت في مقابلة نصٍّ فلا تُعتبر، وأن القياس مع الفارق، فإن يوم العيد فيه أعمال كثيرة بخلاف أيامِ التشريق.

  • قول ابن عمر في رواية البخاري لمن سأله عن وقت الرمي، فأجابه: إذا رمى إمامُك فارمِ([3]). ولو كان المتعيَّن عنده الرميُ بعد الزوال لبينه للسائل.

وقد نوقش بأنه اجتهاد من ابن عمر.

وصفوةُ القول أن في المسألة مساحةٌ للاجتهاد، وأن فتحَ الباب للرمي قبلَ الزوال في أيام التشريق كُلِّها فيه ترخُّصٌ جافٍ، وأن إغلاقه بالكليَّة حتى أمام أصحاب الأعذار فيه تصلُّب ظاهر، فيبقى أن الأصل هو المحافظة على الرمي قبل الزوال، فهذا هو الذي مضت به السنة، وجرى عليه هديُ النبوة وعملُ الصحابة، ثم يفتح الباب بعد ذلك لأصحاب الأعذار، فيرخص لهم في يوم النفر الأول والثاني في الرمي قبل الزوال، كما رُخِّص للرُّعاة والسقاة في ذلك، وتقدر الحاجة أو الضرورة بقدرها.

وقد تراجعت الضرورة كثيرًا بعد التوسعات الكبرى، والإصلاحات المستمرة في أماكن المناسك، الأمر الذي جعل كثيرًا مما كان ضرورةً فيما مضى تراجع إلى كونه مجرَّد حاجةٍ، وقد لا يبلغ بعضُه مبلغَ الحاجة، وإنما هو الترفُّه والتنعم.

هذا هو الذي نهج لنا في هذه المسألة. والله تعالى أعلى وأعلم.

___________________________

([1]) أخرجه مسلم في كتاب «الحج» باب «استحباب رمي جمرة العقبة عقب يوم النحر راكبًا» حديث (1297) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

([2]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «العلم» باب «ما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتخوَّلهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا» حديث (69)، ومسلم في كتاب «الجهاد والسير» باب «في الأمر بالتيسير وترك التنفير» حديث (1734)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

([3]) أخرجه البخاري في كتاب «الحج» باب «رمي الجمار» حديث (1746) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

تاريخ النشر : 30 يناير, 2022
التصنيفات الموضوعية:   06 المناسك

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend