هل يجوز تكرار العمرة من التنعيم في أعقاب الحج، أو في أعقاب عمرة أخرى؟ أفتونا مأجورين.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلا حرجَ في تكرار العمرة إذا لم يترتب على ذلك مزاحمةٌ وتضييق على الناس. فإن عائشة اعتمرت في شهرٍ مرتين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرةً مع قرانها، وعمرة بعدَ حَجِّها، روى البخاري في «صحيحه» من طريق أبي نعيم: حدثنا أفلح بن حميد، عن القاسم عن عائشة قالت: فدعا النبيُّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الْـحَرَمَ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا أَنْتَظِرْكُمَا هَاهُنَا». فأتينا في جوف الليل فقال: «فَرَغْتُمَا؟» قلت: نَعَمْ([1]).
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِـمَا بَيْنَهُمَا»([2])، ولحديث: «تَابِعُوا بَيْنَ الْـحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْـحَدِيدِ»([3]).
قال ابن عبد البر: ((والجمهور على جوازِ الاستكثار منها في اليوم والليلة؛ لأنه عملُ بر وخير، فلا يجب الامتناعُ منه إلا بدليل، ولا دليل يمنع منه، بل الدليل يدلُّ عليه بقول الله:﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِـمَا بَيْنَهُمَا وَالْـحَجُّ الْـمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْـجَنَّةُ»([4])))([5]).
وقال النووي في «المجموع»: ((لا يكره عمرتان وثلاث، وأكثر في السنة الواحدة، ولا في اليوم الواحد، بل يستحب الإكثار منها بلا خلاف عندنا))([6]).
وقد سُئل الشيخ ابن باز رحمه الله: ما حكم إكثار الناسُ العمرةَ بعد الحج من التنعيم والجعرانة؟
فأجاب: لا حرج إذا تيسَّر وليس فيه زحمةٌ ولا فيه أذى، مثل ما فعلت عائشة رضي الله عنها، فقد أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم مع أنها اعتمرت قارنةً. أما إذا كان زحام فالتركُ أفضل كما ترك الصحابة رضوان الله عليهم.
فسئل وما الأفضل في ذلك؟ فقال: إذا لم يكن هناك زحامٌ يأخذ مائةَ عمرة كل ما تيسر أو يأخذ ألفَ عمرة كل ما تيسر مثل ما قال صلى الله عليه وسلم: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِـمَا بَيْنَهُمَا». وهذا يعمُّ مائة عمرة أو ألفَ عمرة متى ما تيسر بغير مشقة وبغيرِ أذى الناس. اهـ.
وسئل رحمه الله في مقام آخر: إذا أتى الشخص إلى مكة المكرمة لأداء الحج أو العمرة، فهل يجوز له بعد الانتهاء من حجته أو عمرته أن يؤدي عمرةً أخرى له أو لغيره في نفس هذا الموسم الذي أتى فيه، بحيث يخرج من مكة إلى التنعيم للإحرام ثم يقضي هذه العمرة، أرجو الإفادة؟ بارك الله فيكم.
لا حرج في ذلك، والحمد لله، إذا قدم للعمرة أو للحج فحجَّ عن نفسه أو اعتمر عن نفسِه أو حجَّ عن غيره أو اعتمر عن غيره، وأحب أن يأخذ عمرةً أخرى لنفسه أو لغيرِه فلا حرج في ذلك، لكن يأخذها من الحِل، يخرج من مكة إلى الحِلِّ التنعيم أو الجعرانة أو غيرهما فيحرم من هناك، ثم يدخل فيطوف ويسعى ويقصر، سواء عن نفسه أو عن ميت من أقاربه وأحبابه أو عن عاجزٍ، شيخ كبير، أو عجوزٍ كبيرة، عاجزين عن العمرة فلا بأس. وقد فعلت هذا عائشة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها اعتمرت مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم استأذنت في ليلة الحصبة ليلة ثلاثة عشرة وليلة أربعة عشر، استأذنت أن تعتمر فأذن لها عليه الصلاة والسلام، وأمر عبد الرحمن بن أبي بكر وهو أخوها أن يذهب معها إلى التنعيم فاعتمرت رضي الله عنها، وهذه عمرة ثانية من داخل مكة.
فالحاصل أنه لا حرج أن يؤدي الإنسان الحجَّ عن نفسه أو العمرةَ عن نفسه، ثم يعتمر لشخصٍ آخر أو يعتمر عن غيره أو يحجَّ عن غيره ثم يعتمر لنفسه، لا حرج في ذلك.
وسُئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:أريد العمرةَ لبيت الله الحرام، وأردت إذا ما فرغت من عمرتي فحينئذ أعتمر عن والديَّ- وهما على قيد الحياة، والحمد لله- وعن والديهما- وهما قد ماتا رحمهما الله- هل هذه الطريقة صحيحة لي أم لا؟
فأجابوا: إذا اعتمرت عن نفسِك جازَ لك أن تعتمري عن أُمِّك وأبيك إذا كانا عاجِزَين لكبر سنٍّ أو مرضٍ لا يُرجى برؤه. كما يجوز لكِ أن تعتمري عن والدَيْ والديك المتوفين([7]). انتهى.
وسئلوا أيضًا: ما حكم من يأتي بأكثرَ من عمرةٍ وفي كل عمرة يذهب إلى التنعيم للإحرام منه؟
فأجابوا: تكرار العمرة لمن جاء إلى مكة في زمنٍ يسير لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعل أصحابه رضي الله عنهم، ولو كان هو الأفضل لسبقوا إليه، والمشروع لمن جاء إلى مكة وقضى نسكَه الإكثارُ من الطواف خاصةً، وقراءة القرآن والصلاة والصدقة وغيرها من العبادات.
وإن اعتمر لنفسه أو لغيره ممن يجوز الاعتمارُ عنه كالميت والعاجز لكبرٍ أو مرضٍ لا يُرجى برؤه- فلا بأس إذا لم يكن عليه مشقة، ولا على الناس كأوقات الزحام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِـمَا بَيْنَهُمَا وَالْـحَجُّ الْـمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْـجَنَّةُ». ولما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر عائشة رضي الله عنها أن تعتمرَ من التنعيم بعد حلها من حجها وعمرتها لما استأذنته في ذلك([8]).
هذا ولم تنفرد بذلك عائشة، بل فعله غيرها من الصحابة: قال يحيى بن يحيى الليثي: عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه رأى عبد الله بن الزبير أحرم بعمرة من التنعيم، قال: ثم رأيته يسعى حول البيت الأشواطَ الثلاثةَ([9]).
ولا يلزمه أن يخرج إلى الميقات الذي أحرم منه، وإنما يلزمه أن يخرجَ إلى الحل أي خارجَ حدود الحرم، التنعيم أو غيرها، فيحرم من هناك، فإن ميقات المكيِّ للعمرة هو أدنى الحل؛ لما سبق من أنه قد ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم أمر عائشة لـمَّا أرادت العمرة وهي في مكة أن تحرم من الحل. والله تعالى أعلى وأعلم.
_____________________
([1]) أخرجه البخاري في كتاب «الحج» باب «المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج» حديث (1788).
([2]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الحج» باب «وجوب العمرة وفضلها» حديث (1773)، ومسلم في كتاب «الحج» باب «في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة» حديث (1349)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([3]) أخرجه الترمذي في كتاب «الحج» باب «ما جاء في ثواب الحج والعمرة» حديث (810)، والنسائي في كتاب «مناسك الحج» باب «فضل المتابعة بين الحج والعمرة» حديث (2631) من حديث عبد الله رضي الله عنه. وقال الترمذي: «حديث حسن».
([4]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الحج» باب «وجوب العمرة وفضلها» حديث (1773)، ومسلم في كتاب «الحج» باب «في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة» حديث (1349)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([7]) فتاوى اللجنة الدائمة” (11 / 80-81).
([8]) أخرجه البخاري في كتاب «الحج» باب «عمرة التنعيم» حديث (1785) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أهلَّ وأصحابه بالحج وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غير النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة، وكان عليٌّ قدم من اليمن ومعه الهدي فقال: أهللتُ بما أهلَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرةً يطوفوا بالبيت ثم يقصروا ويحلوا إلا من معه الهدي. فقالوا: ننطلق إلى منى وذَكَرُ أحدنا يقطر. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت». وأن عائشة حاضت فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت. قال: فلما طهرت وطافت قالت: يا رسول الله أتنطلقون بعمرة وحجة وأنطلق بالحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة.