امرأة لم تأت بالأشواط السبعة كاملةً أثناء حجها ورجعت بلدها

كل عام وشيخنا الجليل في خيرٍ وعافية ونور من الله. امرأة قصَّرت في السعي، أي لم تعمله سبعَةَ أشواط كاملة متعمِّدةً، وتستدل بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ [البقرة: 158]. على سبيل التخيير، ورجعت إلى مصر. فماذا يلزمها؟ بارك الله فيكم.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فقد أجمعت الأمة على أن السعيَ عزمة من العزمات، وفريضة من الفرائض وليس مجرَّد رغيبة من الرغائب، أو نافلةً من النوافل، بل إنه ركنٌ من أركان الحج في قول جمهور أهل العلم، لا يتمُّ الحج إلا به.
قال الإمام النووي في «شرح مسلم»: ((مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم أن السعيَ بين الصفا والمروة ركنٌ من أركان الحج لا يصحُّ إلا به، ولا يُجبر بدم ولا غيره، وممن قال بهذا مالكٌ والشافعيُّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور))(1). اهــ.
وقد عنون البخاريُّ في «صحيحه» فقال: ((باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله))، وساق فيه الشبهة التي وقعت لعُروة عندما قال لخالته أم المؤمنين عائشة: أرأيتِ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] فوالله ما على أحدٍ جناحٌ أن لا يطَّوف بالصفا والمروة. قالت: «بئس ما قلت يا ابن أختي».
وهذا هو نص الحديث كما ساقه البخاري رحمه الله: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال عروة: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت لها: أرأيتِ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] فوالله ما على أحدٍ جناحٌ أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي؛ إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أُنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يُسلموا يُهِلُّون لمناةَ الطاغيةِ التي كانوا يعبدونها عند الـمُشَلَّل، فكان مَنْ أهلَّ يتحرَّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرَّج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ …﴾ الآية. قالت عائشة رضي الله عنها: وقد سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطوافَ بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. ثم أخبرتُ أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: «إن هذا لعلمٌ ما كنت سمعته ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يذكرون أن الناس إلا من ذكَرَتْ عائشةُ ممن كان يُهلُّ بمناةَ، كانوا يطوفون كلُّهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطوافَ بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا: يا رسول الله كنا نطوف بالصفا والمروة وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] الآية». قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما في الذين كانوا يتحرَّجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام؛ من أجلِ أن الله تعالى أمرَ بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت(2).
والخلاصة: أن هذه السيدة لا تزال على إحرامها، وعليها أن تعتزل فراش زوجها، وتعتزل الطيب، وأن ترجع إلى مكة لتسعى بين الصفا والمروة حتى تستكمل نُسُكَها، وتتحلل بعد ذلك. فإن عجزت، وحيل بينها وبين ذلك وانقطع الرجاء في إمكانية العودة القريبة كان لها حكم المحصر فتحلل بشاة تذبحها، لقوله تعالى في المحصر ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) والله تعالى أعلى وأعلم.

_______________
(1) «شرح النووي على صحيح مسلم» (9/20).
(2) أخرجه البخاري في كتاب «الحج» باب «وجوب الصفا والمروة» حديث (1561).

تاريخ النشر : 25 فبراير, 2026
التصنيفات الموضوعية:   06 المناسك

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend