ما حكم شخص ما قال: يلعن دين أبوكي ويلعن الدين الإسلامي. وبعدها فورًا قال: استغفر الله العظيم. هل يبطل عقد الزواج بذلك؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلا يجترئ على مثل هذا القول رجلٌ يؤمن بالله واليوم الآخر! وقوله هذا كفرٌ بالإيمان ونقضٌ لأصله، فهو ردة مغلظة وكفر مزيد! ولا حول ولا قوة إلا بالله، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65-66] [التوبة: 65، 66].
ويبقى أن باب التوبة مفتوحٌ فلا يعظُم ذنبٌ على التوبة، فقد قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38].
أما الحديث عن عقد زواجه وأثر الردة عليه فهو موضعُ نظر عند أهل العلم: فمنهم من قال بانفساخ عقد نكاحه على الفور، وهم الأحناف، قال العبادي في «شرح مختصر القدوري» وهو من الحنفية: ((وإذا ارتد أحدُ الزوجين عن الإسلام وقعت البينونة بينهما فرقةً بغير طلاق عندهما- يعني أبا حنيفة، وأبا يوسف- وقال محمد: إن كانت الردَّة من الزوج، فهي طلاق))(1). انتهى.
وقال صاحب «درر الحكام» وهو حنفي: ((ارتدادُ أحدِهما فسخٌ عاجلٌ للنكاح غيرُ موقوف على الحكم، وفائدة كونِه فسخًا أن عدد الطلاق لا ينتقص به))(2). انتهى.
ومنهم من فرَّق بين وقوع ذلك قبل الدخول أو بعده، فإذا وقعت الردَّةُ قبل الدخول فيحصل الفسخُ حالًا، أما إذا وقعت الردةُ بعد الدخول فلا يحصل الفسخ إلا إذا انقضت العدةُ ولم يتب(3).
واتفقوا على منع الوطء قبلَ التوبة، وهذا التفريقُ هو مذهب الشافعية(4)، وإحدى الروايتين عند الحنابلة(5). فيجعلون الفسخَ بعد الدخول مرهونًا بإصراره على الردةِ وعدمِ التوبة منها مدةَ العِدَّة.
وخالف في هذا علماء المالكية رحمهم الله؛ فجعلوا الردَّةَ طلقةً بائنة تُوجب الفُرقةَ حال حدوث الردة، قال ابن فرحون في «تبصرة الحكام»: ((والردة طلقةٌ بائنة ممن كان من الزوجين، وهو مذهبُ «المدونة»، وروى ابن الماجشون عن مالك أنها فسخ بغير طلاق))(6). انتهى.
والقول الثاني هو الأقربُ في النظر، وبه نُفتي.
وبناءً على ذلك فصاحب هذا القول البغيض إن أعلن توبته على الفور، وكان ذلك منه بعد الدخول، فهو على علاقته الزوجية بأهله، ولا يحتاج إلى تجديد عقدٍ. وعليه أن يبادر إلى التوبة على الفور، وأن يُدرك جسامة ما ارتكب من جريمة، وشناعة ما تولى كبرَه من منكرٍ فاحش غليظ، وأن يكثر من الاستغفار وفعل الخيرات لعل الله أن يغسل حوبته وأن يتقبل توبته. والله تعالى أعلى وأعلم.
_________________
(1) «الجوهرة النيرة» للعبادي (2/24-25).
(2) «درر الحكام شرح غرر الأحكام» (1/354-355).
(3) وهو مذهب الشافعية؛ جاء في «روضة الطالبين وعمدة المفتين» (7/148): «أسلمت بعد الدخول وارتدت، فإن لم يسلم الزوج حتى انقضت العدة، بانت باختلاف الدين أولا، وتكون العدة من يومئذ. وإن أسلم قبل انقضائها، سقط حكم تلك العدة من يومئذ، ونتوقف. فإن عادت إلى الإسلام قبل انقضاء العدة من وقت ردتها، استمر النكاح، وإلا، انقطع من يوم الردة، وكذا لو أسلم الزوج بعد الدخول وارتد، إن لم تسلم المرأة إلى انقضاء العدة من وقت إسلامه، بانت، وإن أسلمت، توقفنا، فإن عاد الزوج إلى الإسلام قبل انقضاء العدة من وقت ردته، استمر النكاح، وإلا، حصلت الفرقة من يومئذ».
(4) جاء في «المهذب» للشيرازي (2/460): «إذا ارتد الزوجان أو أحدهما فإن كان قبل الدخول وقعت الفرقة وإن كان بعد الدخول وقعت الفرقة على انقضاء العدة» .
(5) جاء في «الهداية» لأبي الخطاب الكلوذاني (ص400): «فإن كانت الردة بعد الدخول فعلى روايتين، إحداهما: تقع الفرقة في الحال أيضا والثانية على انقضاء العدة» .
(6) «تبصرة الحكام» (2/278).