حكم سب النبي وعقوبة من فعل ذلك في الإسلام

السؤال:
فإنا في مثل هذه الظروف نلتفت إلى علمائنا الذين نُحسن الظن بهم ليبينوا لنا ويرشدونا بما منَّ الله عليهم من فهم وحكمة.
وإني قد اطلعت على إجابتك لسؤال أحد إخواننا أو أخواتنا بشأن ما جرى في فرنسا خلال الأيام القليلة الماضية. ولكني لم أجد في إجابتك إجابة عن تساؤلات مهمة تدور بذهني، ولعلها تدور بأذهان كثير من إخواني في مشارق الأرض ومغاربها. فلعلك، جزاك الله خيرًا، تُبيِّن لنا حكمَ سبِّ النبي وعقوبتَه في الإسلام، وما إذا كانت العقوبة تختلف إذا كان السابُّ غيرَ مسلم، وما إذا كان إمضاءُ العقوبة منوطًا بتقدير المصالح والمفاسد المترتبة عليه. ثم لعلك تبيِّن لنا أفضلَ السُّبل، فيما ترى، للتعامل مع هذه التجاوزات التي قد تقعُ من بعض غير المسلمين في المستقبل.

الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم من الكُفر المزيد والردَّة المغلظة، فهو ينقض الإيمانَ، وينقض الأمانَ، ويُهدر العصمة.
ينقض الإيمان فيصبح به المؤمن مرتدًّا، وينقض الأمان فيصبح به المعاهدُ حربيًّا، ولا تبقى له عصمة، وعلى هذا أجمع المسلمون، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الصارم المسلول»: «إن من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم من مُسلم أو كافر فإنه يجبُ قتله، هذا مذهبُ عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن حدَّ من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم القتلُ.
قال إسحاق بن راهويه وهو أحد الأئمة الأعلام: أجمع المسلمون على أن من سبَّ الله أو سبَّ رسوله صلى الله عليه وسلم، أو دفع شيئًا مما أنزل الله عز وجل أو قتل نبيًّا من أنبياء الله عز وجل: أنه كافر بذلك، وإن كان مُقرًّا بكل ما أنزل الله.
وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتمَ النبي صلى الله عليه وسلم، والمنتقص له- كافِرٌ، والوعيد جاء عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتلُ، ومن شكَّ في كفره وعذابه كفَر»(1).
ويبقى النَّظَرُ بعد هذا في جملة أمور:
منها: أن إقامة الحدود مناطُها وجودُ الدولة الإسلامية ذاتِ الشوكة والمنعة والقدرة على إقامة الحدود، وتملِكُ التثبُّتَ ونسبةَ الجُرم إلى فاعله، وتضمنُ أن لا تمتدَّ العقوبةَ إلى غيره.
ومنها أن لا يُعارَض ذلك بمفاسدَ راجحة، فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتلَ عبد الله بن أبي بن سلول لكيلا يتحدَّث الناسُ أن محمدًا يقتل أصحابه، فقد قال صلى الله عليه وسلم حين بلغه قول عبد الله بن أبيٍّ بن سلول: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعزَّ منها الأذَلُّ. فقال عمر: يا رسول الله دعني أضربُ عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْهُ؛ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (2).
إن الغايةَ من الجهاد منعُ فتنة الشرك والتَّخلية بين الناس وبين دين الإسلام ليُقبلوا عليه، فإذا كان العملُ الجهاديُّ سيؤدي إلى نفرةِ الناس من الإسلام أو يُؤدِّي بأهل الإسلام إلى النأي عن الالتزام به فلا شَكَّ أنه يأتي بنقيض مقصودِ الجهاد، وهو بهذا لا يُمكن أن يكون من الجهاد المعتبر شرعًا؛ لأن المقصود الشرعي أن يُؤدي الجهادُ إلى قُرب الناس من الإسلام وليس العكس.
وفي زمننا هذا حيثُ الاستنفارُ العالمي ضدَّ الإسلام عقائدَ وشرائعَ، وتقاسمُ وسائل الإعلام على تشويهه معتقدًا وشريعةً ورموزًا وتاريخًا على نحوٍ غير مسبوق، وحيثُ غيابُ الدولة الإسلامية ذاتِ الشوكة والـمَنعة التي تقوم على الإسلام عقيدةً وشريعةً- فلا يبق معنا إلا تفعيلُ وسائل الإنكار الأخرى، وتوظيف الكلمة المسموعة والمقروءة والمرئية، والسعيُ إلى استفاضة البلاغِ بشمائل نبينا صلى الله عليه وسلم، وخصائصِه، وعمومِ بَعثته، وعصمةِ حَضرته الشريفة مما يتقاول به المفترون والمجرمون.
إن فضائية تُقام لهذا الغرض بلغات القوم المختلفة، ويقوم عليها فريقٌ على أعلى درجات التأهيل الشرعي والمهني- لـمِنْ أجدى وأنكى وسائل المقاومة والإنكار في ظروفنا الراهنة، وقُل مثل ذلك في وسائل الإعلام الأخرى.
وهذا غيضٌ من فيض، والعاقل من يستنفد المتاحَ قبل التشوُّف إلى غيرِ المتاح، حتى لا يفوتُه المتاح وغير المتاح. والله تعالى أعلى وأعلم.

___________________
(1) انظر «الصارم المسلول على شاتم الرسول» لابن تيمية (2/13-15).
(2) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «المناقب» باب «ما ينهى من دعوة الجاهلية» حديث (3518)، ومسلم في كتاب «البر والصلة والآداب» باب «نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا» حديث (2584)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

تاريخ النشر : 27 أكتوبر, 2021
التصنيفات الموضوعية:   05 الإيمان بالرسل., 09 نواقض الإيمان.

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend