هــل للمطلقــة حـق في نصــف أمــوال زوجهــا التـى تجددت له بعـد الـزواج

••السَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله وبركاتُهُ ••

الســـــــؤال
• حول حق المطلقة في نصف أموال زوجها التي تجددت له بعد الزواج، والذي تمنحه لها القوانين الأمريكية، لماذا يفتي المشايخ بمنعه؟ أليس هذا من القوانين التي تملك الدولة فرضها لتدبير مصالح مواطنيها؟ ألسنا نقبل بقوانين هذه البلاد في التأمين وفي البنوك؟ وعند المطالبة بالطلاق وبالنفقة وبالحضانة، ونحوه؟ فلماذا نقبل بكل شيء ثم نرفض هذه وحدها؟ ثم لماذا لا تعتبرون تسجيل الزواج أمام المحاكم الأمريكية بمثابة موافقة من الزوج سلفا على قوانين الزواج السائدة في هذه البلاد؟ ومن بينها مقاسمة زوجته لماله عند الطلاق؟ فيصبح هذ كالمشترط ابتداء في عقد الزواج؟ ثم أين تذهب المطلقة التي أفنت سحابة عمرها مع زوجها ثم طلقها في خريف العمر بعد أن أدركها الكبر وأدبرت عنها الحياة؟ وليس لها كافل ولا عائل في أرض المهجر وفي بلاد الغربة؟! لماذا لا تفرقون بين بلاد المسلمين حيث توجد الأسرة والمجتمع المسلم وبلاد الغربة حيث ينعدم ذلك كله؟ ثم كيف تعتبرون مجرد بذل مؤخر الصداق إن وجد كاف لإنصاف المرأة وتأمين حقوقها عند الطلاق؟ وربما يكون قد مضى على مؤخر الصداق ثلاثون عاما أو أكثر، فيصبح مبلغا زهيدا لا يكاد يفي في بعض الأحيان.
▪︎افيدونا بارك لله فيكم
الجـــــــواب
⊰✿بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم✿⊱
الحمد لله، والصلاة والسلام على رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﷺ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعــد:
❐فأشكر للسائلة أنها لخصت حجج القائلين بهذا القول، وأتاحت لنا فرصة مناقشة هذه المدارك والرد عليها بهدوء!

❐وبادئ ذي بدء لا بد من التأكيد على إنكار ما يتعرض له كثير من النساء من مظالم الأزواج، وتجبّرهم، واستطالتهم على نسائهم، وما منا ومن أحد إلا وتختزن ذاكرته الكثير من هذه المواقف الأسيفة! التي تدينها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية على حد سواء، بل لا يسيغها عقل، ولا يقبلها منطق! وإننا من أعماقنا ننكر هذه الاستطالات، ونشهد الله على بغضنا لها، وبراءتنا ممن يتولون كبرها!ـــــــــ[📝]ــــــــــ
✉️تقول السائلة عن قانون مناصفة المطلقة لأموال مطلقها عند الطلاق:
أليس هذا من القوانين التي تملك الدولة فرضها لتدبير مصالح مواطنيها⁉️

والجواب عن ذلك
أن حق الدولة في سن القوانين ليس مطلقًا، وإنما يكون في دائرة المباحات ومناطق العفو التشريعي، التي تركتها الشريعة عفوا، وأحالت فيها إلى الخبرة البشرية، أما ما حسمت الشريعة أمره، وقطعت فيه بحكم معين، فلا يملك معه حاكم ولا محكوم، ولا دولة ولا مواطن إلا الإذعان والتسليم، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.
قال تعالى:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالأً مُبِينًا) “الأحزاب 36”
❐هل تملك الدولة مثلاً تغيير قواعد الميراث؟ هل تملك الدولة مثلاً جعل الطلاق خمسًا بدلاً من كونه ثلاثا؟ هل تملك الدولة نقل صلاة الجمعة إلى السبت أو الأحد، حتى تتيح للمسلمين المغتربين أداء صلاتهم الأسبوعية أيام إجازاتهم في هدوء وطمأنينة؟

❐إن القوانين في هذه البلاد أباحت الشذوذ الجنسي وأباحت الزنا إذا كان عن تراض وأباحت القمار وأنشأت له الكازينوهات، وأباحت الخمر وغمرت بها الأسواق، وأباحت لحم الخنزير وتفننت في تسويقه، فهل يقر مسلم هذه التشريعات؟

✉️ تقول السائلة: ألسنا نقبل بقوانين هذه البلاد في التأمين وفي البنوك؟⁉️
والجواب عن ذلك
❐أننا ننكر ما خالف الشرع من ذلك، ونجتهد في دفعه أو في تقليل مفاسده ما استطعنا، ونسعى في التماس البدائل المشروعة:
🌎ففي عالم البنوك نجتهد في تجنب الربا ما استطعنا، فلا نفتح الحسابات الادخارية
القائمة على الفوائد الربوية، بل نفتح الحسابات الجارية التي لا تدخل أصحابها في دائرة الربا، ونتخلص مما أقحم على حساباتنا من الربا بغير قصد منا، بتوجيهه إلى المصارف العامة على سبيل التخلص، وبالنسبة للغرامات التأخيرية التي تفرض على ما لا غنى عنه من الخدمات الحياتية كعقود إيجارات المنازل، وعقود الهاتف، والكهرباء ونحوه، نجتهد في إسقاط هذه الشروط الربوية بالالتزام بالدفع في المواقيت المضروبة، حتى لا نقع تحت طائلة هذه الشروط الربوية، وفي عالم تمويل شراء المنازل يجتهد الموفقون في التماس البدائل الشرعية بإقامة مؤسسات إسلامية أو بالتعامل مع فروع معاملات إسلامية داخل بنوك تقليدية.

🌎وفي عالم التأمين يقبل منه أهل الدين بما تحمل عليه الضرورات، أو تدفع إليه الحاجات الماسة التي تنزل منزلتها، كالتأمين الطبي، والتأمين الإجباري على السيارات، والتأمين على المدارس ونحوه، أو ما كان تأمينا تابعا لعقد أصلي مشروع، كعقود الضمان التي تقدم على الأجهزة ونحوه، والخلاصة أنهم يتخيرون، وأنهم يقبلون ويردون!
ــــــــ[📝]ــــــــــ
✉️ أما ما تشير إليه السائلة من المطالبة بالطلاق وبالنفقة وبالحضانة، أمام القضاء المدني ففيه تفصيل، فالطلاق المدني لا بد منه لحل عقدة الزواج القانونية ، وهو أمر يختلف عن العقدة الشرعية التي لا يحلها إلا الزوج بالطلاق، أو القضاء الشرعي بالتطليق أو الفسخ، وأما المطالبة بالنفقة والحضانة فتلك حقوق شرعية اتفقت على أصلها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية فلا حرج في استدعاء سلطان القضاء الوضعي للإلزام بالحق الشرعي!

✉️أما قول السائلة: لماذا لا تعتبرون تسجيل الزواج أمام المحاكم الأمريكية بمثابة موافقة من الزوج سلفًا على قوانين الزواج السائدة في هذه البلاد؟ ومن بينها مقاسمة زوجته لماله عند الطلاق؟ فليس بدقيق!
❐ لأن التسجيل لا يعني بالضرورة الموافقة على منظومة القوانين الحاكمة للزواج في هذه البلاد، وإنما هو لتحصيل مصالح راجحة ومشروعة لا سبيل إلى تحصيلها إلا بالتسجيل القانوني لعقد النكاح، ويبقى بعد ذلك أن منظومة القوانين السائدة يقبل منها ما وافق الشرع ويتحفظ على ما خالفه منها، سواء أكانت في مجال الأسرة، أم كانت في غيرها من سائر المجالات، إن قوانين الأسرة في هذه البلاد تجعل من المخادنة سبيلاً إلى نشأة أسرة يتقرر لها من الحقوق من جنس ما يتقرر للأسرة التي تتكون عن طريق الزواج! فهل يقبل مسلم بذلك؟ ❐إن قوانين الأسرة في بعض الولايات في هذه البلاد تبيح زواج المثليين، وتضفي عليه حماية قانونية.
⁉️فهل يقبل مسلم بزواج المثليين بمجرد تسجيله لعقد الزواج أمام القضاء المدني؟
❐إن قوانين الأسرة في هذه البلاد تسلب الزوج حقه في الطلاق، وتجعل مرد هذا الأمر إلى القضاء، فهل يقول أحد إن الزوج المسلم بتسجيله للنكاح قد تنازل عن حقه في الطلاق، وأنه مهما طلق زوجته لا يقع طلاقه إلا إذا طلقها عليه القضاء الوضعي؟

❐ومن ناحية أخرى فإن هذا القانون الذي يقضي بتقاسم الزوجين أموالهما بالسوية عند الطلاق ليس من القوانين الآمرة الملزمة، التي لا يستطيع الزوجان مخالفتها، بل هي من القوانين المكملة، التي يستطيع الطرفان الاتفاق على خلافها، ولا تطبق إلا عند التنازع والتمسك بها من أحد الطرفين

بقيت ملاحظتان حول هذه القضية:

أولاهما: أن القوانين التي تقضي بتقاسم أموال الزوجين عند الطلاق هي نفسها التي تلزم
الزوجين بالاشتراك في نفقة البيت على سواء طوال الجياة الزوجية، والشريعة لا تلزم المرأة بذلك، بل تجعل نفقتها على زوجها، ولو كانت تملك المليارات، وزوجها لا يملك إلا حد الكفاية!

الثانية: أن تَشَوّف المرأة إلى نصف أموال زوجها عند الطلاق كان وراء كثير من محن الطلاق وقصصه المأساوية! فعند أول عارض من فتنة تقفز المرأة إلى طلب الطلاق، لتغنم نصف أموال مطلقها، بالإضافة إلى إنفاقه على أولاده منها، فتراها صفقة رابحة! خيرًا لها من البقاء في أسر الحياة الزوجية! فتتصدع أسر! وتتمزق بيوتات! والموقف ينبغي أن يرى من جميع جوانبه!
✉️ أما قول السائلة: أين تذهب المطلقة التي أفنت سحابة عمرها مع زوجها ثم طلقها في خريف العمر بعد أن أدركها الكبر وأدبرت عنها الحياة…إلى آخر ما قالت، فهو سؤال وجيه، نتكاتف في الإجابة عليه، وتلمّس السبل المشروعة للتعامل معه، ولكن ليس بتبديل الثوابت واستباحة المحرمات، وهناك عدة مداخل للتعامل مع هذا الموقف:

المدخل الأول: مــؤخــر الصــداق
❐وقد يقع فيه الاتفاق على نسبة من أرباح المشروع الاستثماري الذي يديره الزوج، أو نسبة من دخله على مدى سني عمر الزواج، ولا يرد على ذلك تضمن الغرر في هذه الحالة شيئا من الغرر، فإن الزواج يغتفر فيه من الغرر ما لا يغتفر في غيره، فلايوجد عقد احتمل فيه من الخطر ما احتمل في النكاح، فلا يشترط فيه رؤية الزوجة، ولا صفتها، ولا تعيين العوض جنسًا ولا قدرًا ولا وصفًا، ويصح مع جهالته، وجهالة المرأة، فالمال فيه ليس مقصودًا، وإنما مقصده المودة والألفة والسكون، فهذا يقتضي أن يجوز فيه شيء من الجهالة والغرر، ولولا أن صاحب الشرع اشترط فيه المال بقوله تعالى:{أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24].
وهو يقتضي امتناع الجهالة والغرر فيه، لقلنا بجواز الغرر في المهر مطلقًا.

❐ولهذا توسط مالك فجوز فيه الغرر القليل دون الكثير نحو عبد من غير تعيين، وشورة بيت، ولا يجوز على العبد الآبق والبعير الشارد، لأن الأول يرجع فيه إلى الوسط المتعارف، والثاني ليس له ضابط فامتنع.

💠 المدخل الثاني: المتـعة وفي وجوبها لغير المطلقة قبل الدخول إذا لم يسم لها مهرًا خلاف فقهي، والقول بوجوبها مطلقا قول متوجه، وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والحسن، وسعيد بن جبير، وأبي قلابة، والزهري، وقتادة، والضحاك، وأبو ثور، وهو رواية عن أحمد، وقول الشافعية، وممن بالغ في القول بوجوبها مطلقا الظاهرية، حتى قال ابن حزم :(المتعة فرض على كل مطلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو آخر ثلاث، وطئها أو لم يطأها، فرض لها صداقها أو لم يفرض لها شيئا أن يمتعها، وكذلك المفتدية أيضا، ويجبره الحاكم على ذلك أحب أم كره)، ❐ولا يسقط التمتع عنده عن المطلق مراجعته إياها في العدة ولا موته ولا موتها، والمتعة لها أو لورثتها، ولم يستثن إلا من انفسخ نكاحه منها بغير طلاق!

❐ولا نبالغ هذه المبالغة، وإنما نقول بوجوبها لكل مطلقة بعد الدخول، بشرط أن لا يكون الطلاق منها أو بسببها، كردتها أو فسخ النكاح بسبب عيبها، جبرا لخاطرها المنكسر بالطلاق!

📝وتقدير المتعة هو المدخل الذي يدخل منه القضاء لمعالجة الآثار الناجمة عن الطلاق، والتي تشير إليها السائلة، ويأخذ القاضي في اعتباره مدة الزواج، ومدى مسئولية كل طرف عنه ونحوه، وقد قدر قانون الاحوال الشخصية المصري المتعة بنفقة سنتين وأجاز للقاضي أن يزيد عن ذلك حسبما يراه رافعا للضرر، فقد نص على أن: (الزوجة المدخول بها في زواج صحيح إذا طلقها زوجها دون رضاها، ولا بسبب من قبلها، تستحق فوق نفقة عدتها متعة تقدر بنفقة سنتين علي الأقل، وبمراعاة حال المطلق يسرا أو عسرا ومدة الزوجية، ويجوزأن يرخص للمطلق سداد هذه المتعة على أقساط).
✍️هذا وباللهِ التوفيـق و الله أعـلىٰ وأعلـم
* المخادنة: قال ابن عباس: ومتخذات أخدان يعني أخلاء وكذا روى عن أبى هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حيان والسدي قالوا: أخلاء وقال الحسن البصري يعني الصديق وقال الضحاك أيضا “ولا متخذات أخدان” ذات الخليل الواحد المُقرة به.

تاريخ النشر : 24 أغسطس, 2022

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend