حول فاجعة هيوستن

حملت لنا الاخبار المحلية نبا أسيفا مؤلما عن عائلة قضت نحبها باكملها حيث قتلها عائلها المصاب بلوثة عقلية ثم قتل نفسه في نهاية المطاف قتل زوجته وأمها وابنته البالغة من العمر أربع سنوات ثم قتل نفسه في نهاية المطاف!

 

 فما تعليقكم على هذا الحدث؟ وما مدى بشاعة جريمتي القتل والانتحار؟ وما مدى مسئولية المجنون عن تصرفاته الجنائية؟ ومدى مسئولية العائلة المحيطة به عن تقصيرها في حمله على التداوي؟ وعما آل إليه أمره من إفراط في الاعتداء؟ ومدى مشروعية الصلاة على المنتحر؟ وهل يعتبر المنتحر مرتدا عن الإسلام؟  افتونا مأجورين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اما بعد: فيثير هذا الحدث الأسيف الفاجع جملة من الهموم والمواجع والنوازل، نتناولها تباعا في هذه الفتوىإن شاء الله

 

وقبل أن نشرع في التعليق عليها نبادر إلى تعزية أنفسنا، وتعزية أقرباء هذه العائلة المنكوبة، ومن ورائها الجالية المسلمة، بل والمجتمع الأمريكي الكبير بصفة عامة في هذا المصاب الجلل، فلله ما أعطى، ولله ما أخذ وكل شيء عنده بأجل مسمى، وإنا لله وإنا إليه راجعون

 

اللهم أفرغ علينا وعلى آل هذه الاسرة المنكوبة صبرا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لهؤلاء الضحايا، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُم في المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُم في عَقِبِهِم في الغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُم يا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافْسَحْ لهم في قَبْورِهِم، وَنَوِّرْ لهم فِيهِا. اللهم آمين

 

ونسلي أنفسنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أحدٌ من الناسِ أو من المؤمنين أُصيبَ بمُصيبةٍ فلْيعتزَّ بمصيبتِه بي عن المصيبةِ التي تصيبُه بغيري، فإنَّ أحدًا من أُمَّتي لن يُصابَ بمصيبةٍ بعدي أشدَّ عليه من مُصيبتِي)

 

وبقول القائل

 

 

تعز فلا شيء على الأرض باقيا * ولا وزر مما قضى الله واقيا.

ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها          لكان رسول الله حيا وباقيا

 

أما التداوي سواء أكان من الامراض النفسية أم من غيرها فإنه مشروع، لما ورد في شأنه في القرآن الكريم والسنة القولية والفعلية، ولما فيه من (حفظ النفس) الذي هو أحد المقاصد الكلية من التشريع.

 

ففي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تتداووا بالحرام.) ، رواه أبو داود 3376

 

وحديث أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال : ( تداووا ، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحد ) قالوا : يا رسول الله وما هو ؟ قال : ( الهرم ) . أخرجه الترمذي 4/383 رقم 1961 وقال: هذا حديث حسن صحيح وهو في صحيح الجامع 2930 .

 

وتختلف أحكام التداوي كما جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي باختلاف الأحوال والأشخاص:

 

فيكون واجبًا على الشخص إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه أو أحد أعضائه أو عجزه، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره، كالأمراض المعدية.

 

ويكون مندوبًا إذا كان تركه يؤدي إلى ضعف البدن ولا يترتب عليه ما سبق في الحالة الأولى.

 

ويكون مباحًا إذا لم يندرج في الحالتين السابقتين.

 

ويكون مكروهًا إذا كان بفعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها.

 

وينبغي للجالية المسلمة بصفة عامة ان تعنى بأمر مرضاها بدءا من الاجتهاد في الدعاء لهم في مساجدها ومجامعها العامة، ومرورا بالتثقيف الصحي الذي يمسح العار والغبار عن الامراض النفسية، ويبين للناس ان المرض النفسي كسائر الامراض الأخرى، وأنه ليس من العار ولا من العيب ان تلتمس الدواء لعلتك النفسية كما تلتمس الدواء لسائر العلل الاخرى كأمراض السكر والضغط وتصلب الشرايين، ونحوه، وانتهاء بتوفير إمكانات التداوي الطبي وإعانة غير القادرين عليه، وإنهاضهم على التماس التداوي المشروع، قبل أن نفيق على مثل هذه الفواجع!

 

أما قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق فهو من أكبر الكبائر وأغلظها وأفحشها بعد الشرك بالله عز وجل، وحسبنا في ذلك قول الله تعالى (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)

 

 وقد جاء في حديث عبد الله بن عمر (لزوالُ الدنيا أهونُ على اللهِ مِنْ قتلِ رجلٍ مسلمٍ) صحيح الجامع، وصح قوله صلى الله عليه وسلم ((لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، وفي حديث أبي الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً، أو مؤمن قتل مؤمناً متعمداً).

 

وعنه أيضا كما في صحيح أبي داود أن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ، قال: لا يَزالُ المؤمِنُ مُعْنِقًا صالحًا ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا، فإذا أصابَ دمًا حرامًا بَلَّحَ.

والعَنَقُ نوْعٌ من السَّيْرِ؛ فهو يكونُ سَريعًا في طاعَةِ اللهِ واجتِنابِ نواهِيهِ، “فإذا أَصاب دمًا حَرامًا”، أي: إذا قتَلَ بغيرِ شيءٍ يَستوجِبُ القتْلَ “بَلَّحَ”؛ ضعُفَ وانقطَعَ فلم يستطِعِ المشْيَ؛

 وفي حديث عبادةَ بنِ الصامتِ رَضِيَ اللهُ عنه، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ، أنه قال: مَن قتَل مؤمنًا؛ فاغتبَطَ بقتلِهِ، لم يقبَلِ اللهُ منه صرْفًا ولا عدلًا.


وأما الانتحار أو قتل المسلم نفسه فهو بدوره من أكبر الكبائر، فقد قال تعالى ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) وجزاء صاحبه أن يعذب في النار بنفس الأداة التي انتحر بها خالدا مخلدا فيها أبدا!! 

 

ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة، قال صلى الله عليه وسلم (مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهو في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِهَا في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.

 

وفيه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم (كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات! قال الله تعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة!)

ومعنى قوله: (فجزع) أي فلم يصبر على ألم تلك القرحة. وقوله: ” حز ” بالحاء المهملة والزاي هو القطع بغير إبانة، وقوله: (فما رقأ الدم) بالقاف والهمز أي لم ينقطع.

 

والصحيح أن المنتحر من المسلمين يستصحب له أصل الإسلام، ويفوض أمره إلى الله عز وجل

ففي حديث جابر بن عبد الله الذي رواه مسلم في صحيحه أنه َلَمَّا هاجَرَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إلى المَدِينَةِ، هاجَرَ إلَيْهِ الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو، وهاجَرَ معهُ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ، فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فأخَذَ مَشاقِصَ له، فَقَطَعَ بها بَراجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَداهُ حتَّى ماتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو في مَنامِهِ، فَرَآهُ وهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، ورَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فقالَ له: ما صَنَعَ بكَ رَبُّكَ؟ فقالَ: غَفَرَ لي بهِجْرَتي إلى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: ما لي أراكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قالَ: قيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ ما أفْسَدْتَ!

 

 فَقَصَّها الطُّفَيْلُ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: (اللَّهُمَّ ولِيَدَيْهِ فاغْفِرْ).

 

ومعنى قطع براجمه: أي قطَعَ عُقَدَ أصابِعِه قاصِدًا قتْلَ نفسِه؛ لعدمِ صبرِه على آلامِ مرضِه، فسالَت يداه دمًا حتى ماتَ.

 

وقد بوب النووي على ذلك فقال (باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر)

 

وعموما فإن أصحاب الكبائر تجرى عليهم أحكام الإسلام بعد موتهم، وحسابهم على الله، وإن كان من ماتوا على كبيرة ينبغي اجتناب ذوي الهيئات من المسلمين الصلاة عليهم، ويصلي عليهم من سواهم، بحيث لا يواري في قبورهم بغير صلاة عليهم، كما كان يقول صلى الله عليه وسلم على من مات وعليه دين ولم يترك وفاء (صلوا على صاحبكم)

 

وأيا كان الامر فإن البائس صاحب هذه النازلة إذا ثبت حقا انه مجنون، فهو غير مسؤول عن تصرفاته الجنائية، لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق) فالعقل مناط التكليف، وإذا سلب ما وهب أسقط ما اوجب كما يقولون!

 

 أما مآله في الآخرة فإن الله تعالى كما في اصح القولين يمتحن في عرصات يوم القيامة من ولد مجنونا حتى مات، أو صار مجنونا قبل البلوغ حتى مات، فمن وفق في الامتحان دخل الجنة ومن خذل دخل النار، والله أعلم بما كانوا عاملين

 

 وفي ذلك حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة (أربعةٌ يحتجون يومَ القيامةِ: رجلٌ أصمُّ لا يسمعُ شيئًا. ورجلٌ أحمقُ، ورجلٌ هرِمٌ، ورجلٌ مات في فترةٍ. فأمَّا الأصمُّ فيقولُ: ربِّ لقد جاء الإسلامُ وما أسمعُ شيئًا. وأمَّا الأحمقُ فيقولُ: ربِّ جاء الإسلامُ وما أعقلُ شيئًا، والصبيانُ يحْذِفونني بالبَعْرِ. وأمَّا الهَرِمُ فيقولُ: ربِّ لقد جاء الإسلامُ وما أعقلُ شيئًا. وأما الذي مات في الفترةِ فيقولُ: ربِّ ما أتاني لك رسولٌ. فيأخذ مواثيقَهم ليطيعنَه، فيُرْسَلُ إليهم: أنِ ادخلوا النارَ، فمن دخلها كانتْ عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلْها سُحِبَ إليها (صحيح الجامع) والله تعالى أعلى وأعلم

تاريخ النشر : 30 مايو, 2022

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend