الأسلوب الأمثل للتعامل مع الغرب

الأمة الإسلامية في حالة انكسار وضعف في هذه المرحلة، فما هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع الغرب؟ وقد طوفت بالعالم شرقًا وغربًا؟ هل هو الحوار أم الصراع؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإذا كان المقصودُ بالحوار بسطَ قضية الإسلام فهذا مما تعبَّد اللهُ به عبادَه في جميع الأطوار والأحوال؛ سواء كانت الأُمَّة في حالة انتصارٍ أم في حالة انكسار. فنحن أمَّةُ دعوةٍ ورسالة نُبلِّغها لغيرنا من الناس في جميع أطوارنا، وفي جميع أحوالنا، فلا خلافَ على بسط قضايانا، والدفاعِ عنها، وحشد الأدلَّة لإثباتها في أيِّ طور، وعلى أيَّة حالةٍ كُنا. فهذا القدر من الـمُحكَم يُكمله أيضًا ألا ينكسر معنى الولاء والبراء الذي أقامته الشريعة وجعلته أساسًا في التعامُل بين المسلم وغير المسلم.
وقضيةُ الولاء والبراء من القواعد المحكَمة في دين المسلمين، وقد وردت فيها عشراتُ الآيات والأحاديث، وفي أزمنة الانكسار يرقُّ هذا الحاجز ويضعف، وينشأ فقهُ التبرير الذي تُنشئهُ عواملُ الوَهَن التي تمرُّ بها الأمة من ناحية، ومفاهيم الاختراق الوافدة من ناحية أخرى.
ومما يَحسُن التنبيهُ عليه هنا أن يقال: إن الولاء والبراء مَعقِدُه الكتابُ والسُّنة لا غير، فمن كان مؤمنًا بالله ورسوله بُذِلت له حقوق الموالاة كاملةً، ومن لم يكن مؤمنًا بالله ورسوله فله البرُّ والقسط في التعامل إن لم يكن من المحاربين، ولا حظَّ له في الموالاة الدينية، ومن كان فيه إيمانٌ وفيه فجورٌ، أو فيه طاعةٌ وفيه معصية، فإنه يأخذ من الموالاة بحسب إيمانِه وطاعته، ويأخذ من المجافاة بحسب ما فيه من معصية.
وهذا المعنى ينبغي ألا ينهَزِم ولا ينكسر في أنفسنا مهما توالت مطارق الـمِحَن والشدائد علينا.
وخصومنا حريصون جدًّا على كسرِ هذا الحاجز، ولهذا فإن الرئيس الأمريكي الأسبق «بوش الأب» كان يقول: إن القضية في الشرق الأوسط ليست قضية إنهاء الحرب، وإنما هي قضية إنهاء العداوة. وفرق كبير بين الأمرين، فالعداوة بيننا وبين اليهود المحاربين الغاصبين على سبيل المثال قد أقامها القرآنُ الكريم ولا سبيل إلى إزالتها وإنهائها بحال من الأحوال ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82]؛ لا سيما حينما نكونُ في حالة حربٍ واغتصاب لمقدرات الأمة وإحاطة بها، كإحاطة السِّوَار بالـمِعْصَم، فحينما تصلُ الأمَّةُ إلى هذا الحد فعليها أن تُحافظ على هذه المفاهيم، وأن تُورِّثَها للأجيال القادمة.
فإذا كنا لا نستطيع أن نقدم شيئًا لديننا في عالم القوة الماديَّة فلا أقل من أن نحافظ على نقائِه وصفائه، ونورِّثَه نقيًّا متكاملًا للجيل القادم، فعسى أن يفتح اللهُ على أبنائنا فيما فشلنا نحن فيه. أما أن ننكسر على مستوى المفاهيم فهذه خيانة عظمى للإسلام وللحقيقة المجرَّدة.
أما من ناحية السُّلوك العملي فيجب التفريقُ بين الموالاة والمداراة والتسامح، فالتسامح مشروعٌ للمسلمين ولغيرهم، والمداراة وهي الترفُّقُ بالمخالف، وبذلُ الدنيا لإصلاح الدينِ مشروعةٌ، لاسيما عند مسيسِ الحاجة إلى ذلك في حالة الضعف والانكسار، وطبيعيٌّ حينما أكون ضعيفًا ومنكسرًا ألا تطلب مني أن أتصرف باعتباري قويًّا ومتمكنًا.
وعندما تكون الأمورُ على هذا النحو فمنطقُ المداراة والتآلف مشروعٌ، ومنطقُ الدعوة والاستماتة في الدفاع عن قضية الإسلام وفي بسط حُجَجِه وفي دحض شبهات وأباطيل خصومه- مشروعٌ ومحتوم.
وعمومًا فإن علاقتنا بالغرب وبغير المسلمين علاقةُ دعوةٍ وعلاقةُ بلاغٍ، ونحن أمة دعوةٍ ورسالة، ونحن أصحاب الدين الذي ارتضاه اللهُ لعباده، وقد نُسِخت الأديان كلها، فلم يبق على الأرض دينٌ يقبله الله ويرتضيه لعباده إلا الإسلام، فبقدر جسامة هذا الموقع وهذه المسئولية ينبغي أن تكون أمانةُ الدعوة وأمانةُ البلاغ؛ مع المحافظة على عقيدة الولاء والبراء حتى لا تنكسر هذه الأمَّةُ على ما فيها من انكسار، وحتى لا تذوبُ هُوِيَّتُها في معترك الأفكار والسياسات. والله تعالى أعلى وأعلم.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   13 مسائل الأقليات المسلمة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend