هذه سائلة أرهقتني على الهاتف في مسائل الطلاق ونفقة المتعة. هي ستطلق من زوجها الطبيب ذي الدخل الكبير (كما تقول هي) وهو موافق أن يعطيها مؤخرَ صداقها، ولكنها تريد مبالغَ طائلة ناظرةً إلى ما يمكن أن تعطيَه لها المحكمة هنا كما تعلمون شأن الكثير من النساء. هو يرفض مبدأ المتعة ويقول لها أنه لن يعطيها زيادةً ولن يقف في طريقها إن هي ذهبت للمحكمة، وسيعطيها ما يُحكم به ولكن ليس عن طيب نفس وهو حرام.
هي تسأل ماذا تفعل وما هو مقدار المتعة وكيف يجبر الزوج على دفعها وأي بلد نتبع؟ وماذا لو لجأت للمحكمة وحكمت لها بالنصف مثلًا بسبب رفض الزوج وأرادت أن تُرجع له ما يزيد على ما تحله الشريعة لها. وهل النفقة تحدد على أساس حاجتها هي أم على أساس دخلِه هو؟
وماذا لو تزوجت فور انتهاء عدتها هل يبقي حقها في نفقة المتعة؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن المتعةَ شريعةٌ جاء النصُّ عليها في كتاب الله عز وجل، فقد قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241]. وقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236].
واختلف أهلُ العلم في حكمها ما بين الوجوب والندبِ، ومردُّ الأمر في مثل ذلك إلى جهةِ التحكيم التي يرجع إليها في حل الخصومة.
وقد اختار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا وجوبَ المتعة لكل المطلقات، ما دامت المرأة ليست هي الساعيةَ في الطلاق والراغبةَ فيه؛ فقد جاء في المادة 143 من وثيقة المجمع ما يلي:
((تستحق المطلقةُ قبلَ الدخول والخلوة الصحيحة متعةً إذا لم يُسمَّ لها مهرٌ، فإن كان قد سُمِّيَ لها مهرٌ فلها نصفُه، ومتعةٌ مستحبة. وتجب هذه المتعة لكل مطلقة مدخولٍ بها وإن سُمِّي لها مهرٌ في عقد نكاحها، وتقدَّر المتعة حسب يُسرِ المطلِّق، وحال المطلقة، وفقًا لما يقضي به العرفُ والعادة، ولا يجوز اتخاذُها ذريعةً لتسويغ ما تقضي به القوانين الوضعية من المقاسمة في جميع الممتلكات التي نشأت بعد الزواج)).
ففتوانا وجوبُ المتعة، ومشروعيةُ المطالبة بها، وتقديرها عند المنازعة يرجع إلى القضاء الشرعي، أو إلى جهة التحكيم عند غياب القضاء الشرعي، وقد قدرتها قوانين الاحوال الشخصية في مصر بنفقة سنتين، فقد نص قانون المتعة المصري الصادر في عام 1985 على ما يلي (الزوجة المدخول بها في زواج صحيح إذا طلقها زوجها دون رضاها ولا بسبب من قبلها تستحق فوق نفقة عدتها متعة تقدر بنفقة سنتين على الأقل وبمراعاة حال المطلق يسرا وعسرا وظروف الطلاق ومدة الزوجية ، ويجوز أن يرخص للمطلق في سداد هذه المتعة على أقساط”)
وإن نشز الزوج، وأبى ذلك فللزوجة المطلقة أن تلجأ إلى القضاء المدني لإنفاذ الحكم الشرعي، وما يحكم لها به مدنيًّا لا تستحل منه إلا ما تعطيه لها الشريعةُ وترُدُّ إليه ما بقي.
وأتمنى على الزوج أن يلين بأيدي إخوانه من المفتين والمحَكِّمين، وأن يمتِّع مطلقته تقديرًا لما سبق بينهما من صُحبة وعشرة، وأن يكون هذا صلحًا ومفاهمةً بدلًا من اللجوء إلى القضاء، ورضي الله عن أمير المؤمنين عمر الذي قال: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن(1).
أما النفقةُ فإنَّ من حقوق الزوجة على زوجها والمطلقةِ على زوجها السابقِ في مدة العدة النفقــةَ طعامًا، وكساءً، وعلاجًا، وسكنى، وكل ما لا تقوم الحياةُ إلا به، بقدر استطاعته يُسْرًا وعُسْرًا، في غير إسراف ولا تقتير.
ويُنظر فيها إلى كفاية الزوجة وحالة الزوج عسرًا أو يسرًا، فقد جاء في وثيقة مجمع فقهاء الشريعة للأحوال الشخصية ما يلي:
• تشمل النفقة ما تتحقق به الكفايةُ من طعامٍ وكساء ومسكن وعلاج ونحوه بالمعروف.
• النفقةُ تكون لازمةَ الأداء بالقدرِ الذي تراضى عليه الزوجان، أو بحكم الحاكم، بحسب حال الزوج يسارًا أو إعسارًا. ويجوز إعادة تقديرها زيادةً أو نقصًا لحوالة الأسعار، أو تبدل أحوال الزوج عسرًا أو يسرًا، أو إذا تحقق أنها دون حدِّ الكفاية أو زائدة عنه. والله تعالى أعلى وأعلم.
_____________________
(1) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (8/ 303) حديث (15304)، والبيهقي في «الكبرى» (6/ 66) حديث (11142)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (4/ 534) حديث (22896).