مشاركة النساء والأطفال في مظاهرات سلمية ضد الانقلاب العسكري

انتفعنا بفتواكم الكريمة بخصوص ضرورة نصرة احتشاد طائفة الحق في مقابل احتشاد طائفة العلمانية وفصل الدين عن الحياة. ونطمع أن نستزيد من علمكم في مسألتين:
أولًا: حكم مشاركة النساء والأطفال في الاحتشاد والحال كما تعلم؟
ثانيًا: حكم الاحتشاد بصورة سلمية؟ مع العلم أن المخالفَ مسلحٌ بل ويقتل قتلَ إبادة. جزاكم الله خيرًا.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فقد وضع اللهُ الجهادَ عن النساء، وجعل جهادهن جهادًا لا شوكة فيه: الحج والعمرة؛ لحديث عائشة أنها سألت الرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال: «نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْـحَجُّ وَالْعُمْرَةُ»(1).
أما الأطفال فلم يبلغوا مبلغَ التكليف بعدُ لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ»(2).
وإذا كان ذلك كذلك فلا توجد ضرورةٌ شرعيَّةٌ تقتضي تعريضَ النساء والأطفال لهذه المخاطر، لاسيما وأن الأصل في حياة المرأة المسلمة هو القرار في البيوت، لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33]. وخروجهن في بعض الغزوات في زمن النبوة إنما كان لحاجة المجاهدين إلى ذلك.
أما كون الاحتشاد سلميًّا فلما استقر من أن الجهادَ السلمي هو الذي يمكن استمراره، ويُبلِغ رسالةً قوية إلى المخالف، ومن ورائه إلى العالم أجمع، ويكسب المتظاهر تعاطفَ العالم، وتفهمه لقضيته، ويحرج المخالف محليًّا وعالميًّا، وهذا الاحتشاد الذي استمر في مصر هذه المدة لو كان مسلحًا لقضى عليه الخصم من أول يوم، وهوآمن من كل تبعة داخليًّا وخارجيًّا.
ومن ناحية أخرى فإن التظاهرَ ليس مقصودًا لذاته، بل الهدف هو تبليغ رسالة ونصرة قضية، فهو وسيلة من وسائل الضغط وتكوين الرأي العام، لكي ينجح فريق آخر في عرض قضيته وإثارةِ حوارٍ حولها، فالتظاهر ينبغي أن تصحبُه قنوات مفتوحة للحوار، والتواصل مع المخالف.
وينبغي أن يكون سقفُ مطالبنا واقعيًّا، بحيث يمكن أن يُقبل في ضوء ما احتَفَّ به من ظروف وملابسات خاصة، أما الإصرارُ على المعادلات الصفرية فإنها تجهض كل محاولة للحوار، والسياسة هي أن تحصل على أقصى ما يُمكن الحصول عليه من الممكن، ثم تطالب بعد ذلك ببقية حقوقك، والتنازل عن بعض الحقوق من أجل إنقاذ بقيتها والقبول بمشترك من الخير.
وعصمة الدماء مقصود شرعي صحيح، وهل الصلح إلَّا تنازلُ كل طرف عن بعض ما يعتقده حقوقًا له، لاسيما إذا كان خصمُك يملك كل أسباب القوة المادية، وتقف أمامه مجردًا من كل أسبابها، اللهم إلا هذه التظاهرات السلمية في مجتمعات حديثة عهد بها، وفي ظل ثقافة بائسة لا تُقيم حرمةً لدماء ولا لحقوق إنسان، وقد تجرَّد أصحابُها من كل حريجةٍ دينية أو خُلُقية.
هذا الذي بدا لي في الإجابة على سؤالك. والله تعالى أعلى وأعلم.

__________________

(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب «المناسك» باب «الحج جهاد النساء» حديث (2901)، أخرجه البيهقي في «الكبرى» (4/350) حديث (8540)، وذكره ابن الملقن في «خلاصة البدر المنير» (2/335) وقال: «رواه ابن ماجه والبيهقي بإسناد على شرط الصحيح».

(2) أخرجه أحمد في «مسنده» (6/ 101) حديث (24747)، وأبو داود في كتاب «الحدود» باب «في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا» حديث (4398)، والنسائي في كتاب «الطلاق» باب «من لا يقع طلاقه من الأزواج» حديث (3432)، وابن ماجه في كتاب «الطلاق» باب «طلاق المعتوه والصغير والنائم» حديث (2041)، والحاكم في «مستدركه» (2/ 67) حديث (2350)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وذكره ابن الملقن في «البدر المنير» (1/91 – 92) وقال: «قال صاحب الإمام: هو أقوى إسنادًا».

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 السياسية الشرعية

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend