مخالفة مشايخ الدعوة السلفية الراضين بالانقلاب

أنا في حيرة شديدة، ولعل فضيلتكم تساعدني. قناعتي أن من يتَّق الله يلهمْه الصواب، ويهدِه للحق، وأحسب أن كثيرًا من قادة الدعوة السلفية هم من عباد الله الصالحين الذين يقومون الليل ويصومون النهار ويخشون ربهم.
ثم إن الحديث هنا ليس عن عالم واحد يمكن أن تزل قدمه مرة، فلكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة، بل عن جماعة من العلماء الذين أحسبهم ربانيين، فكيف يتخذون مثل هذا الموقف الغريب من الأحداث الحالية؟!
أمن الممكن أن يكونوا هم على حق، ويكون الإخوان حقًّا متهورين مترخصين في الدماء، مثيرين للفتنة، وضارين بالدين والوطن؟
لو سكت علماء الدعوة السلفية تمامًا، لكان الأمر فيه شيء من المنطقية إلى حد ما، أما أن يواروا ويناوروا بالكلام بما من شأنه أن يسبب فتنة للناس؛ إذ يعتقدون أن أولئك العلماء مؤيدون للانقلاب، وأن الإخوان هم السبب فيما نحن فيه، فإن هذا لهو الشيء العجيب حقًّا!
يا فضيلة الشيخ: إنني منذ أن تعرفت على الدعوة السلفية وأنا أثق في علمائها وفي علمهم وتقواهم وورعهم، فهل من الواجب عليَّ أن أعتقد بصحَّة موقفهم هذا استصحابًا لذلك الأصل، وثقة في توفيق الله لهم في الرأي والحكم؟ أم أن من حق الإنسان أن يعتقد أن كل أولئك العلماء قد أخطئوا، بل خانوا إخوانهم وأخواتهم، ووقفوا إلى جانب القتلة والظلمة؟
أرجو منكم الإفادة ولو كان الردُّ في كلمات معدودات، فإني والله في حاجة إلى معرفة ردكم. وبارك الله فيكم.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلمشايخنا في الدعوة السلفية وفي غيرها كلُّ الحب والتقدير والولاء، ولا يمنع هذا من أن نأخذ من قولهم ونترك، ونقبل منهم ونردُّ عليهم، لاسيما فيما يتعلق بمسائل السياسة الشرعية، التي تعتمد الدراية بالواقع أكثر من العلم بالشرع.
لابد لترشيد النظر في هذه القضايا من التمييزِ بين فقه الدعوة وفقه الدولة، أو بين مقام العمل الدعوي ومقام العمل السياسي، فالإطار الدعوي تحكُمُه حلية طالب العلم، وحسن أدبه في التعامل مع شيخه، حتى قال الشافعي رضي الله عنه : «كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحًا رفيقًا هيبة له لئلَّا يسمع وقعها».
وحتى لا يجمل أن يقول طالب العلم لشيخه في مسألة من المسائل: لقد أفتى فلانٌ بخلاف ما تقول. ولا شكَّ أن هذه الأخيرة لو نقلت إلى الشأن السياسي لكانت كارثة، ولأتت على بنيان العمل السياسي من القواعد.
ووجه ذلك أن الشأن الفقهي البحت يعتمد النظر الشرعي، فيكون فيه نظر الشيوخ في الجملة أدقَّ وأصوب، لطول تمرسهم بالفقه وفنونه، ولكن الشأن السياسي والمواقف السياسية يعتمد الخبرة بالواقع، ودراسة تجارب الأمم في القديم والحديث، أكثر من اعتماده على النصوص الشرعية، لدورانه في الجملة في فلك الموازنة بين المصالح والمفاسد، فلا يلزم دائمًا أن يكون اجتهادُ الشيوخ فيه أصوبَ، فلو حَكَمت هيبة الشيوخ ومكانتهم مجالسَ النَّظر السياسي لألغت العمل السياسي الإسلامي من الأساس؛ لاسيما مع حداثة عهد كثير من الشيوخ بالمشاركة السياسية، في ظل مجتمعات غيبت مرجعية الشريعة، وغيبت معها مشاركة حملة العلم والشريعة عن العمل السياسي، منذ ما يزيد على قرن من الزمان.
فلا حرج أيها المبارك في أن يكون لك اجتهاد سياسي على خلاف اجتهاد من تُجِلُّهم من أهل العلم وأهل الفتوى. وعلى من أخذَ على عاتقه من الشيوخ المشاركةُ في هذا الشأن أن لا يجد في نفسه على بعض تلاميذه إن تجاوزوا اجتهاده في بعض المواقف، أو جاءت نتيجة التصويت على خلافه، ولا إذا حوسب على شأن من الشئون، وانتهت نتيجة المحاسبة إلى لومه، أو توقيع عقوبة عليه، أو حتى إلى إقالته.
ولا يجمل أن يدعو أهل الدين إلى التشاور، ومحاسبة القادة، وينكرون على غيرهم أساليبَ القمع والمصادرة للآخرين، ثم يمارسون هذه المصادرة والقمع الحسي أو المعنوي داخل مؤسساتهم الدعوية، وأحزابهم الإسلامية!
ليس من حَرَجٍ على الإطلاق في تخطئة بعض الكبار من أهل العلم في شأن من الشئون، ولكن الخطأ كل الخطأ في التخوين، والإقصاء والمصادرة بالكلية، فهذا هو الخلُق المرذول الذي لا ينبغي أن نفسح له مكانًا في قلوبنا ولا في صفوفنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.
ألهمنا الله وإياك الرشد في القول والعمل، وجنبنا وإياك الزيغ والزلل. والله تعالى أعلى وأعلم.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 السياسية الشرعية

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend