حول إسلام سارة عبد الملاك وما أحدث من فتنة

لعلكم سمعتم ببيان الجبهة السلفية حول سارة عبد الملاك، وقولهم: إنه يتعاطفون معها من منطلقٍ حقوقيٍّ، وأنهم لن يسمحوا بمصادرة حقِّها في التدين كما تشاء، والتزوج بمن تشاء، وأنهم لن يُسلِّموها لأسرتها كما تقول الكنيسة. فما تعليقكم على هذا البيان؟ وصدوره في مثل هذه الأجواء الملتهبة؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن حقَّ كلِّ إنسان في التدين بما شاء، أو التزوج بمن يشاء في إطار ثوابته العقدية والمجتمعية- حقٌّ كفلته الشرائع السماوية، والدساتير الوضعية، وينبغي أن يكون هذا من الثوابت التي لا يختلف في أصلها على مستوى الأسوياء من البشر، وإن وقع شيء من الخلاف فينبغي أن ينحصر في بعض تراتيبه الإدارية، وتفصيلاته العملية.
فمن القوانين ما منع توثيق الزواج للقاصر قبل بلوغ السن القانونية للزواج، وهو الثامنة عشرة، أو السادسة عشرة، ومهما قيل في مشروعية هذا القانون أو عدم مشروعيته، فينبغي أن نعترف بأن هذا واقع قائم لا سبيل إلى معاندته؛ حتى يتم تغييره من خلال الوسائل القانونية المتاحة، فلا ينبغي لأحد أن يراغم هذه القوانين وقد تمهد سبيل إلى مراجعتها وتقويم خللها من خلال وسائل قانونية، وآليات سياسية متعارف عليها.
وقد أكد بيان الجبهة السلفية على هذا المعنى، وذلك في قولهم في نهاية البيان: وأخيرًا، نؤكد أننا نقف دائمًا وأبدًا في صف الشرعية والقانون، ولا يمكن لنا مخالفتهما بأي حال من الأحوال، وتصدينا لهذه القضية من منطلق حقوقي إنساني بحت، ونرفض كل المحاولات الأخرى التي تريد تحويله لبعد طائفي.
وتلك نقطة تُحسَب لهم عند المنصفين إذا ما أُحسن فهمها ووضعها في سياقها الصحيح.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان القانون يعتبرها قاصرًا، فما كان ينبغي الدخول في الشق العائلي في هذه القضية، ولا تبنِّي الدفاع عنه، على المستوى المؤسسي، لا حقوقيًّا ولا إسلاميًّا.
وتبقى قضية شخصية لمن دخل في هذا الأمر، ما دام قد آثر المجازفة، يتحمل تبعتها، ولا يحملها لجماعة المسلمين.
إن مراعاة مقتضى الحال، واحتقانات الواقع السياسي والأمني، واعتباره عند رسم الإستراتيجيات الدعوية، من دلائل الرشد ومعالم التوفيق، وفي زمن الفتن والقلاقل والاضطرابات قد يؤدي التصلُّب في بعض المواقف إلى نقيض ما قصد بها شرعًا، فيُصبح التمسك بها مراغمةً للشارع، وسعيًا في نقيض مقصوده في الواقع، وإن بدا ظاهرًا أنها تدور في فلكه.
إننا كما نؤكد بقوة على حقوق الأفراد في الإعلان عن هويتهم الدينية، والتخطيط لحياتهم العائلية كما يشاءون، فينبغي أن نؤكد وبنفس القوة على حق المجتمعات في الأمن والاستقرار وعدم إثارة الفتن والاحتقانات، وقد نُضحي مرحليًّا بالمصلحة الخاصة تحقيقًا للمصلحة العامة، وقد نفوت أدنى المصلحتين تحقيقًا لأعلاهما، أو نتحمل أدنى المفسدتين دفعًا لأعظمهما.
فإذا كان إعلان الهوية الدينية لمن لم تبلغ السن القانوني الذي يؤهلها لذلك قد يؤدي إلى إشعال نيران الفتن وحرائق الطائفية، فما الذي يُضيرها أن تكتم إيمانها في باب الإيمان؟ وأن تستعفف وتتصبر في باب الزواج، إلى أن يجعل الله لها فرجًا ومخرجًا؟ بدلًا من أن تجرَّ على قومها وعلى أمتها سيلًا عرمًا من القلاقل والاضطرابات، وتراق من أجلها دماء كان من الممكن أن تُحقن بقليل من الروية والتعقل والأناة.
وحديثنا في هذا المقام عن المواءمات وتدابير السياسة الشرعية، وهي فعلُ ما يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وبالتالي فلن ندخل في جدل فقهي حول مدى مشروعية تحديد سن الزواج، وإن كان السواد الأعظم من الفقهاء على أن صغر السن ليس مانعًا من موانع الزواج، وأن في قوله تعالى في بيان عدد المطلقات: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] إشارة إلى ذلك، وأن في زواج نبينا صلى الله عليه وسلم  بأمنا عائشة دليل من السنة على ذلك(1)، وفي تزويج علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم وهي صغيرة من عمر بن الخطاب بمحضر الأكابر من أصحاب رسول الله، وعدم إنكارهم عليهما دليل من الإجماع على ذلك(2).
إلا أنه قد يقال: إن الذمم قد خربت، والأخلاق قد فسدت، والعوائد قد تغيرت، والمباحات تنتقل بين مراتب الأحكام الشرعية التكليفية بحسب ذلك كله، فلو رأى ولي الأمر منع الآباء تزويج بناتهم الصغار لما كان جائرًا عن القصد ولا متجانفًا لإثم. والقضية في موضع النظر.
ولن ندخل كذلك في جدل قانونيٍّ حول تجريم زواج القاصر أو عدم تجريمه، فالقوانين في ذلك متفاوتة، والظاهر في القانون المصري مثلًا أنه لا يجرم هذا الزواج، ولم ينص على عقوبة معينة على الزوج والزوجة في تلك الحالة، رغم تحديد السن القانونية للزواج بثمانية عشر عامًا، وكأنه رأى أن المنع ينبغي أن يكون متجهًا في الأساس من الأب إلى ابنته، أو أن مقصوده عدم إرغامها على الزواج في سن صغير.
وصفوة القول في النهاية أن دقة هذه المرحلة الانتقالية الحرجة التي يمر بها المشهد المصري في الوقت الراهن تقتضي ممن يوجهون أزمة الأمور الدعوية أن يعتبروا بالمآل، وأن يعتصموا بفقه المقاصد وأحكام الضرورات، وما ينزل منزلتها من الحاجات، وتفعيل ما يحمله ذلك من مخزون اجتهادي هائل لتطويق الفتن ومحاصرة نيرانها، وأن ينأوا بأنفسهم وبأمتهم عن المواقف التي تُثير الاحتقانات والتوترات، وإن كانت في ذاتها من المباحات.
فمن أسلمت في هذه الأجواء، لا ينبغي أن تُثير بإسلامها ضجَّةً، ولا أن نجعل نحن منه حديث القاصي والداني، ولا أن نحوله إلى مادة مثيرة ومستفزة في الفضائيات أو الصحف السيارة؛ حتى لا نجر أنفسنا ودعوتنا إلى محارق لا غنى عنها ولا طائل من ورائها.
إننا نهنئ المسلمات الجدد بما منَّ الله عليهن من نعمة الهداية، وبما أكرمهن به من اتباع الدين الحق، وتلك نعمة لا تعدلها نعمةٌ أخرى في هذا الوجود؛ فهي أكبر من نعمة الحياة، ونعمة العافية، بل ومن كلِّ ما على الأرض من متاع وزينة.
ونبشرهن بأن العاقبة للتقوى، وأن ما يتعرضن له من شدة ما هو إلا ابتلاء عابر، ستعقبه بإذن الله لطائفُ وبركاتٌ ورَحَمات، ونِعَمٌ سابغات لا يُحصيها العدُّ.
وأفضل العبادة انتظار الفرج(3)، وقد وَعَد اللهُ الصابرين أن يوفيهم أجورهم بغير حساب(4).
ونبشرهن بما بشر الله به أصحاب نبيِّه صلى الله عليه وسلم  في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55].
فلتعتبر المسلمات الجدد بما أصاب المسلمين الأوائل، ولتكتم كلُّ واحدة منهن إيمانَها، ولتعتصم بالصَّبر والأناة، إلى أن يجعل الله لها فرجًا ومخرجًا، وعلى من أتاه نبؤها المبادرة عند الاقتضاء بتقديم المساعدات الأساسية التي لا تُثير الحفائظ ولا تُسعِّر الحرائق، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فإن ضُيِّق عليها وخشيت على نفسها من الفتنة في دينها اشتور العقلاء في ذلك، وائتمروا فيه بينهم بمعروفٍ، وسيجدون لها بالتشاور الحكيم والتدبر الهادئ مخرجًا يرفع عنها الحيف والفتنة بإذن الله؛ فقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 2-3]، وساعتها تكون قضية خاصة، وليست قضية رأي عام.
وأنا أعلم أن من نكد الدنيا أن يحمل من ينتسب إلى دين الأمة وهو يعيش في قلبها إلى الاستخفاء بإيمانه، والتواري بإسلامه، ولا يكاد يصدق هذا أحدٌ، ولكنه الحرص على تفويت الفرصة على الشانئين والذين في قلوبهم مرض، وقد قبل النبيُّ صلى الله عليه وسلم  في صلح الحديبية ما هو أنكى من ذلك، وكان هذا مقدمة لفتح مكة.
وعزاؤنا أن هذه فترة انتقالية عابرة، يرجى أن تستوي سفينة الوطن بعدها على الجُودِيِّ، وأن تنجو من عواصف الفتن والتشرذمات والأهواء المتبعة، ويتحقق تقنين هذه المسائل بقوانين واضحة المعالم، تنبثق من هَدْي النبوة، تحقق العدل لجميع الأطراف، ويتم التوافق عليها شرعيًّا ومجتمعيًّا وإنسانيًّا.
وبدهيٌّ أن ما سبق لا يُعالِج الحالة الراهنة التي ورد بشأنها هذا السؤال؛ لأن ما سبق إنما يرسم سياسة مستقبلية التعامل مع ما يجدُّ من هذه الحالات في المستقبل، أما هذه الحالة فقد شاع أمرها سلفًا، وأصبحت قضيةَ رأيٍ عامٍّ شئنا أم سخطنا، وبناء على ذلك فإن العدل في هذا أن يتدخل القضاء وهو الذي أقامه الله عز وجل للفصل بين المتنازعين ليتأكد من قضية محورية مفصلية: هل أرغمت على الإسلام؟ أم أنها أسلمت بمحض اختيارها؟
• فإن كانت قد أرغمت على الإسلام، فهنا يأتي قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256] والآية نص مباشر في أنه لا إكراه على الدخول في الدين. وفي تاريخنا حكم قاضي عمر بن عبد العزيز بإبطال فتح سمرقند، وإخراج جيوش المسلمين منها بعد أن دخلوها بالفعل، عندما دفع أهلها ببطلان الفتح؛ لأنهم لم يعرض عليهم الإسلام قبل الغزو، وكانت النتيجة أن أسلم أغلب أهل سمرقند.
• أما إن كانت قد أسلمت بمحض إرادتها، فلا يجوز إرجاعها إلى من يفتنها في دينها، وقد قال ربي جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ ولَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10].
وأخيرًا لَكَمْ نودُّ أن تتفق الفصائل الإسلامية على مرجعية شرعية عامة، تضم وجوه أهل العلم ومقدميهم، يرجع إليها في المهمات والأمور العظام، مرجعية تتجاوز الأطر الحزبية والعلائق التنظيمية والسياسية؛ لأن هدي النبوة ينبغي أن يكون مرجع هؤلاء جميعًا؛ فإنه كما قال الآخر:

  • لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
  • ولا سراة إذا جهالهم سادُوا(5)

 

والله من وراء القصد. والله تعالى أعلى وأعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ففي الحديث المتفق عليه؛ الذي أخرجه البخاري في كتاب «النكاح» باب «إنكاح الرجل ولده الصغار» حديث (5133)، ومسلم في كتاب «النكاح» باب «تزويج الأب البكر الصغيرة» حديث (1422)، من حديث عائشة ل قالت: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهي بنت ستٍّ وبنى بها وهي بنت تسعٍ ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة.
(2) فقد أخرج عبد الرزاق في «مصنفه» (6/163) حديث (10354) من حديث عن عكرمة: قال: تزوَّج عُمر بن الخطاب أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وهي جاريةٌ تلعب مع الجواري فجاء إلى أصحابه فدعوا له بالبركة فقال: إني لم أتزوج من نشاط بي ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «إن كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» فأحببت أن يكون بيني وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم  سببٌ ونسبٌ.
(3) أخرجه الترمذي في كتاب «الدعوات» باب «في انتظار الفرج وغير ذلك» حديث (3571)، والطبراني في «الأوسط» (5/230) حديث (5169)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ الله U يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ»، وقال الترمذي: «هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث وقد خولف في روايته وحماد بن واقد هذا هو الصفار ليس بالحافظ وهو عندنا شيخ بصري وروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل عن حكيم بن جبير عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم  مرسلًا وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح»، وذكره العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (1/258) وقال: «الترمذي من حديث ابن مسعود وقال حماد بن واقد ليس بالحافظ، قلت: وضعفه ابن معين وغيره».
(4) قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
(5) البيت للأفوه الأودي من شعراء الجاهلية، وهو من بحر البسيط من قصيدة مطلعها:

  • فينا مَعاشِرُ لَم يَبنوا لِقِومِهِمُ
  • وَإِن بَنى قَومهم ما أَفسَدوا عادوا

 

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 السياسية الشرعية

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend