بين النهي عن المنكر وتتبع عورات المسلمين

هناك منشور بصحيفتكم، وكاتبه قد اكتفى بالنشر ظنًّا أن هناك من يسمع أو يعقل، ولكن الفلول الذين تسربوا إلى الوزارات يحمون الفساد، وأنا لدي المستندات وأستطيع اللجوء للنائب العام وفضح الموضوع وكل من ساعدوا على ارتكاب هذه الجرائم، ولكن لي سؤال شرعي: هل لو قمت بذلك أكون ممن يتتبع عورات المسلمين؟ إنني أخشى من ذلك. وهناك مفاسد كثيرة ولكن كلها تتطلب تتبع المفسدين واللصوص. فما رأي الشرع أعزكم الله؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فجزى الله خيرًا كاتب المقال؛ فإنه كشف الذين يعبثون بمصائر الأمة ويتخوضون في أموالها، أو في أمانة وِلَاياتها العامة بغير حَرِيجة دينية من جنس الاحتساب الذي تعبَّد الله به عباده.
والاحتساب هو الأمر بالمعروف متى ظهر تركُه، والنهي عن المنكر متى ظهر فعلُه. وذلك هو القطب الأعظم في الدين، والمقصود الذي ابتعث الله به النبيين أجمعين، وبإقامته على وجهه كما أمر الله استحقت هذه الأمة أن تكون خير أمة أخرجت للناس، كما قال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، وبإضاعته استحقَّ بنو إسرائيل اللعنة على لسان الأنبياء! قال تعالى:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [المائدة: 78، 79].
فهو الجهادُ الدائم المفروض على كل مسلم، لا قيام لشريعة الإسلام بدونه، ولا اعتصام بحبل الله إلا على هداه، فعن ابن مسعود أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تُخَلَّفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حبَّةُ خَرْدَلٍ»(1).
وهو فرض على الكفاية، كما دلَّ عليه القرآن، فإذا لم يقُم به من يقوم بواجبه أَثِمَ كل قادرٍ بحسب قدرته؛ إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَـمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ»(2).
ومن ثوابته عدم اختصاصه بأصحاب الولايات: وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَـمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حبَّةُ خَرْدَلٍ»(3).
قال النووي رحمه الله: «قال العلماء: ولا يختصُّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين؛ فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر والنهي عن المنكر من غير ولاية، والله أعلم»(4).
وقال القرطبي رحمه الله: «أجمع المسلمون- فيما ذكره ابن عبد البر- أن المنكر واجبٌ تغييرُه على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بالتغيير إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى؛ فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره؛ فإن لم يقدر فبلسانه؛ فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكر بقلبِه فقد أدَّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك، قال: والأحاديث في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًّا، ولكنها مقيدة بالاستطاعة»(5).
ومن المعلوم أن المنكرات التي يجوزُ إنكارها هي المنكرات الظاهرة بغير تجسس، المعلوم كونها منكرًا بغير اجتهاد، يذكر الغزالي في «الإحياء» أن ما فيه الحسبة: «كل منكر موجود في الحال، ظاهر للمحتسب بغير تجسُّس، معلوم كونه منكرًا بغير اجتهاد»(6).
فليس للمحتسب أن يكشف سترًا، ولا أن يقتحم على قوم في منازلهم وخلواتهم؛ فإن من أغلق عليه بابه فالله حسيبه.
ولكن إذا جاهَرَ صاحبُ المنكر بمنكره، واستعلن به في أوراق رسمية، وسعى به في اغتصاب ولايات عامة، وزوَّر في سبيل ذلك مستندات رسمية أو غير رسمية، واعتضد بشهود زور، ولم يصغَ إلى نصح، ولم يستجب لنذارة، فيشرع الاحتساب عليه لمن قدر على ذلك، فهو لم يستتر بمنكره، بل جاهر به، واعتضد فيه بقوة غاشمة، وشهادة باطلة، وبغي واستطالة بغيرِ حقٍّ، فلا ينبغي أن نخلط بين هذا وذاك.
ولكن على من دخل في مثل هذا النوع من الاحتساب أن يُعِدَّ للأمر عُدَّتَه، وأن يُجهز وثائقه ومستنداته، وألَّا يحول قضية من قضايا الفساد إلى قضية رأي عام إلا إذا استوفى وثائقَها ومستنداتها، واستشار في ذلك أهل التخصص من رجال القانون والسياسة، ومن قبل ذلك ومن بعده أن يكون له في احتسابه نيةٌ صالحةٌ، وألا يخلطه بأهواء شخصية، وألا تحمله عليه منافسات حزبية أو مناورات سياسية؛ فإن الاحتساب باب من أبواب العبودية لله تعالى، فينبغي أن يتجرَّد من حظوظِ النفس، وألَّا يكون مردُّه إلى خصومات شخصية، أو منافسات دنيوية؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وللسنة موافقًا، ويجب أن نذكر دائمًا أن الناقد بصير. والله تعالى أعلى وأعلم.

_____________________

(1) أخرجه مسلم في كتاب «الإيمان» باب «بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان» حديث (50).

(2) أخرجه مسلم في كتاب «الإيمان» باب «بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان» حديث (49) من حديث طارق بن شهاب رضي الله عنه.

(3) أخرجه مسلم في كتاب «الإيمان» باب «بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان» حديث (50) ، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

(4) «شرح النووي على صحيح مسلم» (2/23).

(5) «تفسير القرطبي» (4/48).

(6) «إحياء علوم الدين» (2/324).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 السياسية الشرعية

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend