انعقاد البيعة للرئيس مرسي

هل انعقدت للرئيس مرسي البيعة؟ وهل أصبح ولي أمر شرعي؟ وهل يحكم بالكتاب والسنة؟ نريد إجابة مباشرة فإن الوقت عصيب والفتنة متقدة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلقد انعقدت البيعة للرئيس مرسي من خلال فوزه في الانتخابات، والتي صوت فيها الخاصة والعامة، أهل الحل والعقد وغيرهم، وبهذا يجبُ له في عنق الأمة حقَّان: الطاعة، والنصرة. وتلك حدود لله ، قد نتفهَّم أن لا يعقلها العلمانيون والذين في قلوبهم مرض، وأن يتمرَّد عليها الـمُبطلون والمرجفون في المدينة، ولكن ما بال أهل الدين، وحملة المشروع الإسلامي، وأهل الدعوة إلى تحكيم الشريعة؟!
مرسي له أخطاء كغيره من البشر، لا ينازع في ذلك إلا مكابر، وقد لا يكون هو الأكفأ والأجدر بتسنم قمة القيادة العامة، وما من الناس من أحد في موقع من المواقع إلا وأنت واجد في البشر من هو أكفأ منه، وأولى بهذا الموقع منه، ولو حكمنا هذا المنطق، وكان كُلما اجتمع أمرنا على أحدٍ انفضضنا من حوله، وتشوفنا على الفور على غيره، ولم نوف إليه عهده إلى مدته، ما استقر لنا قرارٌ، ولا انتظم لنا رسوخٌ في مدار.
نعم إن من حق الأمة التطلُّع إلى الأفضل والتشوُّف دائمًا إلى الأكمل، لكن وقت الحديث عن هذا ليس هو وقت الاصطلام وتحالف الأحزاب، وتقاسمهم على التخريب والانتقام، وجر الأمة وراءهم إلى محرقة عامة. بل هو وقت الاقتراع والترشيح والتصويت، فإذا أفرزت هذه الآليات لنا قيادةً تعيَّن إلقاء السلم إليها، وإقدارها على حمل أمانتها، والصبر إلى جولة انتخابية قادمة.
والإخوان من ورائه لهم أغلاطهم كغيرهم من الجماعات، وقد يكون نصيبهم من ذلك في بعض المواقع أوفر، وفي ذلك يتنازع المتنازعون، أو يتحاور الراشدون، ولكن مرسي وفريقه يحمِلُون المشروع الإسلامي على عواتقهم، شأنهم شأن غيرهم من أهل الدين في هذا البلد، به يؤمنون، وإليه يدعون، وعلى أساسه انتُخِبوا، لا ينازع في ذلك كذلك إلا مكابر.
وقد تمهَّد عند أهل الحق أنه يُعان المقصِّر على من هو أشد منه تقصيرًا، بل يعان الظالم على من هو أشد منه ظلمًا، والمبتدع على من هو أشد منه ابتداعًا، وفي تاريخنا عبرة، لقد كانت سياطُ المعتصم تفتن الإمام أحمد وتمزِّق جسده، ليحمله على القول بخلق القرآن، ويدخل بسببها في غيبوبة من الألم، فكان إذا أفاق من ألمه يقول: اللهم انصر المعتصم في عمورية.
وتصفيق غير الإسلاميين لفريق منا ليقتطعوه عن بقية إخوانِه ما هي إلا محاولة لخلخلة الصفِّ الإسلامي، وتقطيع أوصاله ليسهل ابتلاعه، واذكروا دائمًا أنه إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية(1)، وقد أُكلت يوم أُكِل الثَّورُ الأبيضُ(2).
وإن أسعد الناس بهذا التهارج الذي تستعر حرائقه على الساحة المصرية هم الصهاينة الغاصبون، ومن يُظاهرهم على بغيهم من قوى الاستكبار والبغي العالمية، ثم طلائعهم في بلادنا البائسة المنكوبة.
يا قومنا:
ليس هذا وقت الحديث عن معاتبات سياسية، أو مناورات حزبية، وإنما هو وقت الاصطفاف العام في الخندق الإسلامي العام، واستمطار رحمات ربنا وألطافه، واستدفاع سخطه وعذابه بالاستغفار في الأسحار، والصلاة بالليل والناس نيام، وصدق الضراعة إلى الملك العلام، وحسن الظن بالله ، والاعتصام بحبله جميعًا، ونبذ التفرق والتداعي إلى التغافر وإصلاح ذات البين.
وتجديد إيماننا: بوعده بإنجاء المتقين ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: 53]، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]، ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: 174]، وهزيمة المبطلين ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص: 11].
ثم بالتواصل مع العقلاء والصلحاء في كل موقع لإعادة اللُّحمة الاجتماعية، وللاتفاق على مشترك من الخير العام، يجتمع فيه أهلُ الدين مع غيرهم، إنقاذًا لسفينة الوطن، وتجنيبًا له ويلات هذه الفواجع التي تقاسم عليها الغلاة والشانئون. والله من وراء القصد، وهو تعالى أعلى وأعلم.

_________________

(1) فقد أخرج أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «في التشديد في ترك الجماعة» حديث (547)، والنسائي في كتاب «الإمامة» باب «التشديد في ترك الجماعة» حديث (847)، والحاكم في «مستدركه» (1/330) حديث (765)، من حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْـجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ»، وقال الحاكم: «هذا حديث صدوق رواته شاهد لما تقدمه، متفق على الاحتجاج برواته إلا السائب بن حبيش وقد عرف من مذهب زائدة أنه لا يحدث إلا عن الثقات»، وذكره النووي في «خلاصة الأحكام» (2/655) وقال: «رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح».

(2) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (7/562) حديث (37933)، عن عمير بن زوذي أبي كبير، قال: خطبنا عليٌّ يومًا, فقام الخوارجُ فقطعوا عليه كلامه. قال: فنزل فدخل ودخلنا معه فقال: ألا إني إنما أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثورُ الأبيض, ثم قال: مثلي مثل ثلاثة أثوار وأسدٌ اجتمعن في أجمة: أبيض وأحمر وأسود, فكان إذا أراد شيئًا منهن اجتمعن, فامتنعن منه، فقال للأحمر والأسود: إنه لا يفضحنا في أجمتنا هذه إلا مكان هذا الأبيض, فخليا بيني وبينَه حتى آكله, ثم أخلو أنا وأنتما في هذه الأجمة, فلونكما على لوني ولوني على لونكما, قال: ففعلا. قال: فوثب عليه فلم يلبثه أن قتله. قال: فكان إذا أراد أحدُهما اجتمعَا, فامتنعا منه. وقال للأحمر: يا أحمر, إنه لا يشهرنا في أجمتنا هذه إلا مكان هذا الأسود, فخلِّ بيني وبينه حتى آكلَه, ثم أخلو أنا وأنت, فلوني على لونك ولونك على لوني, قال: فأمسك عنه فوثب عليه فلم يلبثه أن قتله. ثم لبث ما شاء الله ثم قال للأحمر: يا أحمر إني آكلك. قال: تأكلني! قال: نعم. قال: أما لا فدعني حتى أصوت ثلاثة أصوات, ثم شأنُك بي. قال: فقال: ألا إني إنما أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثورُ الأبيض. قال: ثم قال عليٌّ: ألا وإني إنما رُهِبتُ يومَ قتل عثمان.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 السياسية الشرعية

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend