الوزارة بين التفويض والتنفيذ

هل الوزارة في الإسلام هي الوزارة في الحكم المعاصر؟ وما حكم الوزارة في الحكم المعاصر؟ وهل يجوز للمرأة أن تتولى الوزارة بجميع أنواعها بما فيها وزارة التفويض؟ وما الكتب التي أرجع إليها؟ وجزاك الله خيرًا.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:

فإن الوزارة في كتب السياسة الشرعية قسمان: وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ. أما وزارة التفويض: هي أن يستوزر الإمامُ من يُفوِّض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضاءها على اجتهاده، وهي ما تُعرف برئاسة الوزراء اليوم.

والوزير المُفوَّض له كلُّ سلطات الإمام من تعيين الحكَّام والنظر في المظالم، وقيادة الجيش، وتعيين القائد، وتنفيذ الأمور التي يراها. إلا ثلاثة أمور هي: ولاية العهد، واستعفاء الأمة من الإمامة، وعزل مَن قلَّده الإمام. أما الإمام فله أن يعزل من ولَّاه الوزير. وفي العلاقة بين الإمام ووزير التفويض يُلاحظ ما يلي:

1- يُطالَب وزيرُ التفويض بمطالعة الإمام لما أمضاه من تدبير، وأنفذه من ولاية وتقليد؛ لئلا يُصبح باستبداده كالإمام.

2- يتصفح الخليفة أفعال الوزير وتدبيره الأمور، ليُقرَّ منها ما وافق الصواب، ويستدرك على ما خالفه.

وشروط وزارة التفويض كما تذكرها كتب السياسة الشرعية هي كشروط الإمامة، إلا شرط القُرَشيَّة، فهو شرطٌ غير معتبر في وزارة التفويض.

أما وزارة التنفيذ: فهي أقلُّ رتبة من وزارة التفويض؛ لأن الوزير فيها يقوم بتنفيذ ما يأمره الإمام به، ويُمضي أحكامه، ويُبلغ من قلَّدهم الولاية أو تجهيز الجيوش، ويعرض عليه ما ورد منهم وتجدَّد من أحداث طارئة، فليس له استقلالٌ في السلطة كما للوزير المفوض. فوزير التنفيذ وسيط بين الإمام والرعية، ويختصُّ وزير التنفيذ بأمرين:

1- أن يرفع إلى الخليفة ما يبلغه من قضايا.

2- أن يستقبل أوامر الخليفة لتنفيذها.

شروط وزير التنفيذ: يُشترط في هذه الوزارة ما يلي:

– الأمانة وصدق اللهجة؛ حتى يُوثَق في أمره ونهيه.

– والمسالمة؛ لأن العداء يمنع من التناصف والتعاطف.

– وأن يكون حاضر البديهة.

– وأن يكون ذكيًّا فطنًا؛ حتى لا تلتبس عليه الأمور.

– وألا يكون من أهل الأهواء، حتى لا يحيد عن الحقِّ.

ويجوز للخليفة أن يُعين أكثر من وزير في وزارة التنفيذ، بخلاف وزارة التفويض التي لا يجوز فيها إلا وزيرٌ واحد. وأهم ما يميز هذه الوزارة عن وزارة التفويض أن سلطات الوزير فيها محدودة، فهو منُفِّذ لأوامر الإمام ونواهيه، ولا يحقُّ له مباشرة أي عمل إلا بإذنه. ويبقى في النهاية أن مثل هذه التراتيب الإدارية ليست من قواطع الشريعة، بل هي من جنس السياسة الشرعية التي يباشرها الولاة بما يحقق المصالح ويدفع المفاسد، ويحافظ على مقصود الشرع من إقامة العدل وتحكيم الشريعة واستتباب الأمن والمحافظة على الحقوق والحرمات العامة. ويُمكن أن يُستفاد في ذلك بما ينتهي إليه العالَم من تجارِبَ إدارية معاصرة، شريطة المحافظة على هذه المقاصد الشرعية.

ويُمكنك الرجوع إلى كتب: «الأحكام السلطانية» للماوردي وأبي يعلى، أو إلى كتاب «الوزارة في الإسلام» للدكتور محمد الزحيلي. أما تولية المرأة للولايات العامة بصفة عامة، أو للوزارة بصفة خاصة، فيمكن القول بأنه فيما عدا الولاية العامة على الأمَّة ممثلةً في الإمامة العظمى، وما قام مقامها كوزارة التفويض، والتي تنشئ عمومَ النظر على عموم الأمة، وهي التي اتفق أهل العلم- فيما نعلم- على عدم أهلية المرأة لها، فإن ما وراء ذلك من مسائل النظر بين أهل العلم، ما بين مضيق وموسع، ومسائل الاجتهاد لا يضيق فيها على المخالف، فمن ظهر له رجحانُ أحد القولين عمل به ولم ينكر على من ظهر له رجحان القول الآخر، ويُفوَّض إلى علماءِ كلِّ محلَّة اختيارُ الراجح من هذه الاجتهادات، في ضوء ما تُرجحه الأدلة لديهم وتتحقق به المصالح العامة لجماعة المسلمين وَفق اجتهاداتهم وتقديراتهم. والحمد لله على توسعته على عباده ولطفه بهم. والله تعالى أعلى وأعلم. والله تعالى أعلى وأعلم.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 السياسية الشرعية

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend