هل الدعاء عند سماع صياح الديكة والتعوذ من الشيطان عند سماع نهيق الحمار مقيَّد بكون ذلك ليلًا؟ أم أنه مطلقٌ يشمل ما كان في الليل والنهار جميعًا؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فقد روى البخاري ومسلم مِنْ طريقِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا»(1).
وهذا الحديث عامٌّ يشمل الليل والنهار. ولكن ورَد في نصوصٍ أخرى صحَّحها الألباني وغيره من أهل العلم تقييدُ ذلك بالليل، فعن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَقِلُّوا الْـخُرُوجَ بَعْدَ هُدُوءٍ؛ فَإِنَّ لله دَوَابَّ يَبُثُّهُنَّ، فَمَنْ سَمِعَ نُبَاحَ الْكَلْبِ أَوْ نُهَاقَ حِمَارٍ فَلْيَسْتَعِذْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا تَرَوْنَ»(2).
وروى أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَإِنَّمَا رَأَتْ مَلَكًا؛ سَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نُهَاقَ الْحِمَارِ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ»(3).
قال الشيخ الألباني- رحمه الله تعالى- تحت هذا الحديث: ((ليس عندهما- أي البخاري ومسلم- لأنهما أخرجا هذا الحديث في صحيحيهما- قوله: «مِنَ اللَّيْلِ» وهي زيادة ثابتة من رواية جمعٍ من الثقاة، في حديث أبي هريرة هذا، وفي حديث جابر المتقدم- أي الأول- كما حققته في «الصحيحة» تحقيقًا ربما لا تراه في مكان آخر، ومن الغرائب أن الحافظ لم يُشِر في «الفتح» إلى هذه الزيادة الهامة مطلقًا، وتبعه الشارح الجيلاني- صاحب شرح «الأدب المفرد» للبخاري- وقال الشوكاني رحمه الله منبهًا على هذا أيضًا في «شرح تحفة الذاكرين» (282) مشيرًا إلى هذا المعنى: وقوله في الحديث الآخر: «مِنَ اللَّيْلِ» يقيِّد المطلق، فتكون الاستعاذة إذا سمع النباح ليلًا لا نهارًا)). اهـ.
وفي الباب قصة طريفة فيها يحكيها الشيخ علي الحلبي، فيقول: ((كنت جالسًا مع شيخنا- رحمهُ الله- الشيخ الألباني في شُرفة بيتِه، وشُرفة بيتِه تُطل على حديقة صغيرة فيها بعض الطيورِ والأشجار وما أشبه، فكان هنالك ديكٌ يصيح، فهذا الدِّيك كان يصيح، فالنبيُّ- عليه الصَّلاة والسَّلام- يقول: «إذا سمِعتُم صِياحَ الدِّيَكةِ فَسَلُوا اللهَ مِن فضلِه؛ فإنَّها رأتْ ملَكًا». وهذا قبلَ أن يُرجِّح شيخُنا الرِّواية الأخرى التي فيها: «إذا سمعتُم صِياحَ الدِّيَكةِ بالليل فَسَلُوا اللهَ مِن فضلِه»؛ لكن ذلك الوقتُ كان صباحًا ولم يكن الشيخ يُرجِّح هذا التَّرجيح- وهو الرَّاجِح؛ لأن قَيد الليل لو لم يكنْ ذا معنى لما كان لِوجوده وإيرادِه أثرٌ- فكلُّ دقيقة الدِّيكُ يَصيح فأنا أقول: نسأل الله العظيم مِن فضلِه. فقلت للشيخ: يا شيخَنا، هل كلما صاح الدِّيك لابُد أن ندعوَ كما قال النَّبي- عليهِ الصَّلاة والسَّلام؟ فسكت الشيخ هُنيهةً رحمه الله، ثم قال: سُبحان الله! هذا باب أجرٍ سُنِّي فتحَهُ الله لنا ونَسأم منه! بينما الصُّوفيَّة يَذكرون اللهَ بطريقة بِدعيَّة ولا يسأمون منها. الله.. الله.. الله؛ هذه طريقة بِدعيَّة ولا يسأمون منها!! فقلت له: يا شيخَنا؛ إنما أسأل لأتعلم. قال: وأنا أجبتك لأعلمك)).
فنسأل الله أن يرحم مشايخَنا، وأن يرزقَنا حُسن الاتِّباع والتَّسنُّن.
فالذي يظهر تقييد ذلك بما يكون في الليل. والله تعالى أعلى وأعلم.
________________
(1) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «بدء الخلق» باب «خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال» حديث (3303)، ومسلم في كتاب «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» باب «استحباب الدعاء عند صياح الديك» حديث (2729).
(2) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (1/422) حديث (1233)، والنسائي في «الكبرى» (6/233) حديث (10778).
(3) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/306) حديث (8050)، والبخاري في «الأدب المفرد» ص423 حديث (1236).