معنى حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»

لديَّ سؤالٌ يُحيِّرني منذ أن وجدت السُّنة متفرقين إلى فِرَق؛ فقد اهتدى تفكيري أن مِن أسباب الانشقاق- واللهُ  ربُّ العالمين أعلى وأعلم- هي اختلاف تفسير النُّصوص، وتمسُّك كلِّ فرقةٍ بهذا التفسير، ولعلَّ من أشهر النُّصوص هي الحديث المراد السُّؤال عنه وهو: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(1).
فقد ذهبت الفرق السلفية بتفسيرها على أنها الأمور التي لم تأتِ في الشَّرْع مثل الموالد والأذكار الصوفية لكلِّ طريقة، أمَّا الفرق الصوفية فقد ترى أنها الأشياء المنافية لطبيعة الدين وروحه، مما يفتح المجال لهم لإقامة أشياء لم تكن على عهد النبيِّ ﷺ، مثل بناء الأضرحة على قبور الأولياء وإقامة الموالد والذكر بكيفياتٍ شتَّى بزعم أنها من روح الدين ولا تُنافيه.
ما هو التفسير الأقرب للصواب إن شاء اللهُ تعالى لهذا الحديث؟ وما هو السَّبيل لتقريب هذه الفرق؟ هل بالاتفاق على الأمور المشتركة فيما بينهم ونَبْذ المختلف عليه، أم بتحديد الطَّرِيق الأقرب للصواب إن شاء اللهُ وإلزام كلِّ طرفٍ بالتمسُّك به؟

________________

(1) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب «الصلح» باب «إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود» حديث (2697)، ومسلم في كتاب «الأقضية» باب «نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور» حديث (1718) من حديث عائشة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فلو شاء ربُّك أن يجعلَ نصوصَ الوحيين قرآنًا وسُنةً على نحوٍ لا يحتمل في الفهم إلا معنى واحدًا ما أعجزه ذلك، ولكنه جعل منها ما هو مُحكَمٌ قطعيٌّ ومنها ما هو متشابه ظنِّيٌّ؛ لتحقيق حِكَم كثيرة، منها: الاجتهاد في تحرِّي الصَّواب والوصول إلى الحقِّ، ومنها في بعض المواضع التوسعة على الأُمَّة حتى لا تُحبس في اجتهاد واحد. إلى غير ذلك من الحِكَم الكثيرة التي لا تنفكُّ عنها أفعاله جل وعلا.
والسَّبيل إلى الرُّشْد في التَّعامُل مع القضايا الخلافية أن تُرَدَّ إلى الله والرسول من خلال سؤال الثِّقات العدول من أهل العِلْمِ عنها، فما اجتمعت عليه كلمتهم فهو الحقُّ، وما تنازعوا فيه كان موضعَ اجتهادٍ وتوسعة.
وتُعرف الأعلمية والأفضلية بالشيوع والاستفاضة، ولا يُعتَدُّ بخلاف أهل البدع ولا باجتهادٍ انعقد الإجماعُ على خلافه.
وأما ما سألتَ عنه فإن البدعة هي ما أُحدث في الدِّينِ على خلاف ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ وأصحابه، فما أُحدث من أمور الدُّنْيا لا يدخل في باب الابتداع المذموم، وما جَدَّ من نوازل اجتهد فيها حملةُ الشَّريعة وَفْق المنهج الـمُعتَبر للاستنباط عند أهل السُّنة فليس ببدعةٍ، وتَرْك النَّبيِّ ﷺ لعملٍ من الأعمال لا يكون سُنة إلا إذا وُجد المقتضي وانتفى المانع، أمَّا إذا لم يوجد المُقتضي أو وُجد ولكن عارضه مانعٌ فإن التركَ لا يكون سُنةً في هذه الحالة.
وبناء المساجد على القبور وردت الأدلة الصَّحيحة الصَّريحة بالنهي عنه؛ فلا ينبغي أن يُتأوَّل لتسويغه، ومثل ذلك الموالد التي أصبحت تُضاهي الاجتماعَ على شعائر الحجِّ في مِنًى ومزدلفة وعرفات فلا ينبغي أن يُتأوَّل لتسويغِ شيءٍ من ذلك، فإن المخالفة في ذلك بيِّنةٌ جلية، واختلاف أهل القِبلة في بعض القضايا وإن كانت من المهمات والأمور الكبار لا يمنع تعاونهم فيما اتَّفقوا عليه من الأمور الأخرى، ثم التناصح والمجادلة بالحسنى حول هذه الأمور التي تنازعوا فيها، ما دامت هذه المخالفات لم تبلغ مبلغ الانسلاخ من الدِّين والخروج من الملَّة.
وأرجو أن تهتمَّ بما ينفعك، وأن تتركَ القضايا الكبرى لمن تأهَّل للنظر فيها مِن العلماء والأئمة.
زادك اللهُ حرصًا وتوفيقًا، واللهُ تعالى أعلى وأعلم.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   02 الحديث الشريف وعلومه

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend