معنى قاعدة «من السُّنة ترك السُّنة»

هل هناك قاعدة شرعية تقول «من السنة ترك السنة»؟ وإن كانت صحيحة فما هو المراد بها؟ وهل يحمل هذا القول على ترك سنة من سنن الحبيب صلى الله عليه وسلم إذا عارضت سنة البَلَد وعادات الناس بحيث إن العمل بسنة الحبيب في ذلك المجتمع يترتب عليه مفاسد أو أضرار شخصية أو جماعية؟ وجزاكم الله خيرًا.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن هذا القول من التعبيرات المجملة؛ فقد يكون صوابًا وقد يكون خطأ بحسب مقصود قائله؛ فإن قصد به ترك السنة أحيانًا حتى لا تختلط بالفريضة أو تركها تألفًا لقلوب المدعوين في بعض الأحيان فلا حرج في ذلك؛ فقد يترك المستحبُّ إذا كان في فعله فسادٌ راجح على مصلحته، كما ترك النبى ﷺ بناءَ البيت على قواعد إبراهيم وقال لعائشة: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْـجَاهِلِيَّةِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ وَلَأَلْصَقْتُهَا بِالْأَرْضِ وَلَـجَعَلْتُ لَـهَا بَابَيْنِ بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ»(1).
فترك هذا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح، وهو حداثة عهد قريش بالإسلام؛ لما في ذلك من التنفير لهم، فكانت المفسدة راجحة على المصلحة.
ولذلك استحبَّ الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين، مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل بأن يسلم في الشفع ثم يصلي ركعة الوتر وهو يؤم قومًا لا يرون إلا وصل الوتر، فإذا لم يمكنه أن يتقدم إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر أرجح من مصلحة فصله مع كراهتهم للصلاة خلفه. وكذلك لو كان ممن يرى المخافتة بالبسملة أفضل أو الجهر بها وكان المأمومون على خلاف رأيه ففعل المفضول عنده لمصلحة الموافقة والتأليف التي هي راجحة على مصلحة تلك الفضيلة كان جائزًا حسنًا.
فهذه هي المقاصد الحسنة التي يمكن أن يحمل عليها هذا القول، أما مجرد ترك السنة إذا خالفت مألوف الناس فهو باطل، فما شُرعت السنة إلا لتُقوِّم اعوجاجَ البشر وتحكم سلوكهم؛ لا لكي تُحكَم هي بسلوكهم وأهوائهم. والله تعالى أعلى وأعلم.

________________________

(1) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «العلم» باب «من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم» حديث (126)، ومسلم في كتاب «الحج» باب «نقض الكعبة وبنائها» حديث (1333)، من حديث عائشة .

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   04 أصول الفقه وقواعده

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend