ما يعذر المسلم بجهله من الأحكام الشرعية وما لا يعذر

السؤال:

فضيلة الشيخ، هل الجهلُ بالأحكام الشرعية يرفع الإثمَ والحُكمَ المترتب على الوقوع فيه أم يرفع الإثم فقط لكن لا يرفع الحكم المترتب على الوقوع فيه؟

وهل يعذر المسلم بالجهل في كل ما جهله من أمور الدين أم أن هناك أمورًا لا يعذر فيها المسلم بجهله بها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فإن العلم علمان:

أولهما: علم عامة:

وهو ما لا يسع بالغًا غير مغلوب على عقله- جهلُه. كما قال الشافعي رحمه الله، وهو أمهات الفرائض، وأمهات الفواحش، مثل وجوب الصلاة، والصيام، والحج عند الاستطاعة، والزكاة، وحرمة الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا مما كُلِّفَ العبادُ أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عنه ما حُرِّم عليهم منه.

وهذا الصنف كلُّه من العلم موجود نصًّا في كتاب الله، وموجود عامًّا عند أهل الإسلام، ينقله عوامهم عن من مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم.

وهذا العلم العامُّ الذي لا يجوز فيه التنازع، ولا يعذر فيه بالجهالة، لتعلقه في الجملة بفروض الأعيان.

ومما يتأكد عدم العذر فيه بالجهالة أصلُ الدين، وهو الإقرار المجمل بالتوحيد والرسالة، والبراءة المجملة من الشرك والكفر، وحقيقة ذلك التزامُ عبودية الله وحده، والإقرار المجمل بما جاء به نبيه صلى الله عليه وسلم تصديقًا وانقيادًا، وهو ثابت محكَم لا يقبل النسخ أو التخصيص، ومن لم يأت به فليس بمسلمٍ، سواء أكان ذلك عنادًا أم جهلًا، ولهذا لم يعذر عبدة الأصنام الأوائل، ولا الكفار الأصليون من اليهود والنصارى وأمثالهم، ولا بعضُ المنتسبين إلى الإسلام من الفرق المرتدة كالقاديانية والإسماعيلية والبهائية والنصيرية وأمثالهم.

ثانيهما: علم الخاصة:

وهو ما ينوب العباد من فروع الفرائض، وما يخصُّ به من الأحكام وغيرها، مما ليس فيه نصُّ كتاب، ولا في أكثره نصُّ سنة، وإن كانت في شيء منه سنَّةٌ فإنما هي من أخبار الخاصة، لا أخبار العامة، وما كان منه يحتمل التأويل، ويستدرك قياسًا وهذا الذي لا يسع الأمة جهله في الجملة. ولكن لا تجبُ معرفته على كلِّ أحد، ويعذر فيه بالجهالة، لتعلقه في الجملة بفروض الكفايات، التي إذا قام بها من حصلت بقيامه بها الكفاية سقط الإثمُ عن الباقين.

والناس في العذر بالجهل ليسوا سواءً، فيعذر حدثاء العهد بالإسلام، ومن نشأ ببادية بعيدًا عن مصادر الهدى، بما لا يعذر به من وُلد في الإسلام، ونشأ بين أظهر المسلمين.

والجهل بالعقوبة إن عُلِمَ التحريم لا يصلح عذرًا تُدرأ به العقوبة، فمن علم تحريم الزنا يقام عليه حدُّه ولو لم يعرف عقوبته.

ولأهل العلم في ذلك تفصيلٌ كثير يراجع في مظانِّهِ من كتب أهل العلم. والله تعالى أعلى وأعلم.

تاريخ النشر : 03 أكتوبر, 2018

فتاوى ذات صلة: