الجائزة في الألعاب الترفيهية(1)

شيخنا الكريم، أدام الله عليكم فضله وكرمه، شيخنا الكريم سبق لي أن سألت فضيلتكم عن بعض التصرفات الخاصة بالألعاب الترفيهية.
وكان السؤال كما يلي:
يوجد بعض الألعاب يدفع اللاعب قيمةً نقدية معينة، وتكون اللعبة عبارة عن ماكينة يقودها ويحاول أثناء قيادته لها التقاط دمية على شكل دبدوب، فإذا نجح في التقاطه أخذه. والسؤال ما الحكم في هذه اللعبة؟
وكانت إجابتكم:
إن كان الحصولُ على الدمية مقصودًا أساسيًّا في هذه اللعبة فلا يصحُّ، لدخوله حينئذ في باب القمار، وضابط القمار هو ما لا يخلو أطرافه من غرم أو غنم، وغرم أحد الطرفين هو غنم الطرف الآخر. أما إن كان المقصود بهذه اللعبة هو قيادة الماكينة، وما الحصول على هذه الدمية إلا جائزةٌ وتبرع للفائز، دون أن تكون معتبرةً عند شراء هذه اللعبة- فلا حرج في ذلك إن شاء الله.
وقد بحثت الأمر طوال الفترة السابقة مع مجلس الإدارة وهم فيهم خيرٌ كثير، وقد حاولت أن أجد معهم مخرجًا شرعيًّا للأمر وأن أعرضه على فضيلتكم لتُقرِّر لنا وترشدنا للحق؛ نظرًا لأهمية تلك اللعبة بالنسبة للشركة في تنشيط باقي الألعاب والعدد الكبير الموجود منها داخل الشركة, فسامحونا إن أطلت عليكم:
قيمة تذكرة اللعبة التي يدفعها العميل 8 جنيهات وهي تمثل الإيراد, أما التكلفة عبارة عن:
1. قيمة الدبدوب 7 جنيهات.
2. نسبة مشاركة يأخذها صاحب المكان عن كل تذكرة 3.20 جنيه. أي أن إجمالي التكلفة التي تتحملها الشركة = 7+3.2 = 10.20، هذا بخلاف باقي المصروفات من الأجور والصيانة وغيره, ولكن الشركة كانت تُحقِّق ربحًا في حالة عدم قدرة اللاعب على اصطياد الدبدوب.
س1: قد عرضوا عليَّ أمرًا للخروج من ذلك، وهو في حالة عدم قدرة اللاعب على اصطياد الدبدوب تُعطيه الشركة بدلًا من الدبدوب هديةً رمزية وليكن سعرها 2 أو 3 جنيهات؛ بحيث تُحقق هامش ربح ويكون اللاعب أخذ شيئًا, فما رأي فضيلتكم؟
س 2: كان هناك أمر أخر ولكن وجدت منهم رفضًا وهو: أن يُعطى اللاعب الدبدبوب سواء نجح في اصطياده أم لا. وعللوا ذلك بأن الشركة ستخسر مع كل محاولة 2.20 جنيه (فهل هذا يعتبر مخرج)؟
س3: هل يا شيخنا لو حسبنا التكلفة وأضفنا عليها هامشَ الربح مقابل أن يُعطى اللاعب الدبدوب في كل مرة سواء نجح في اصطياده أم لا.
مثال على ذلك ((التكلفة = 10.20 + هامش ربح…) كل ذلك = إعطاء الطفل الدبدوب في كل مرة)).
فهل يجوز ذلك أم يُؤدي إلى غبن في الثمن؟ خصوصًا إذا اشترطوا على اللاعب أن يدفع ثمن تذكرتين على مرتين ليلعب اللعبة, لعدم قدرتهم على رفع الثمن في قيمة تذكرة واحدة لوجود مشارك لهم في القرارات وهو صاحب المكان.
ولكم جزيل الشكر والفضل.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فجزاكم الله خيرًا على حرصكم على استيفاء الشرعية، وأرجو أن يجعل الله لكم ذلك نورًا يسعى بين أيديكم وبأيمانكم يوم القيامة.
ما ذكرته من الحل الثاني صحيحٌ فقهيًّا، ولكنه كما ترى معيبٌ اقتصاديًّا؛ لأنه يعني أن تخسر الشركة مع كل لعبة، وهي ما أنشئت إلا من أجل الاسترباح، ولن يصبر على ذلك الشركاء.
وما ذكرته من الحل الثالث صحيح فقهيًّا كذلك، ولا حرج في كون اللعبة غالية نسبيًّا، ولا ينطوي الأمر على غبن المشتري ما دام هامشُ الربح معقولًا، فليس هناك في الشرع ما يُعد حدًّا أقصى لسقف الأرباح، وليس في نصوص الشريعة تحديدٌ لنسبة معينة للربح يحرم تجاوزها، بحيث تصبح قاعدة عامة لجميع السلع في جميع الأزمنة والأمكنة، وذلك لعدَّة حِكَمٍ منها:
• اختلاف الأموال في سرعة دورتها وبُطئها، فما كانت دورته سريعة قلَّ ربحُه في العادة وما كان بطيئًا كثرُ ربحه.
• اختلاف البيع الحالِّ عن البيع المؤجل، إذ الأصل قلَّةُ الربح في الأول وكثرته في الثاني.
• اختلاف المبيع في ذاته بين كونه ضروريًّا أو حاجيًّا فيقل ربحه رفقًا بالضعفة وذوي الحاجة، وبين ما كان كماليًّا فيزيد ربحه في العادة لتيسر الاستغناء عنه.
ولهذا لم يَرِد في السنة المطهرة- كما سبق- تحديدٌ لنسبة من الربح لا يجوز تجاوزها، بل ورَدَ فيها ما يُثبت جوازَ بلوغ الربح في بعض الأحوال إلى الضعف، بل وزيادته عن ذلك.
فقد روى البخاري في عن عروة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاء بالشاة والدينار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ما كان من أمره، فدعا له صلى الله عليه وسلم بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه(1).
وروى الإمام أحمد في «مسنده» عن عروة قال: عَرَض للنبي صلى الله عليه وسلم جَلَبٌ(2) فأعطاني دينارًا وقال: «أَيْ عُرْوَةُ؛ ائْتِ الْـجَلَبَ فَاشْتَرِ لَنَا شَاةً». فأتيت الجَلَبَ فساومتُ صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينارٍ، فجئت أَسُوقُهُما- أو قال: أقودهما- فلقِيَني رجلٌ فساومني فأبيعُه شاةً بدينار، فجئت بالدينار وجئت بالشاة، فقلت: يا رسول الله هذا دينارُكم وهذه شاتِكُم. قال: «وَصَنَعْتَ كَيْفَ؟» قال: فحدثته الحديث. فقال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ». فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفًا قبل أن أَصِلَ إلى أهلي(3).
وقد صح أن الزبير بن العوام اشترى أرضَ الغابة- وهي أرض عظيمة من عوالي المدينة- بمائة وسبعين ألفًا، فباعها ابنُ عبد الله بن الزبير بألف ألف، أي باعها بأضعاف مضاعفة(4).
ومما يحسُن التنبيه عليه أن هذه الوقائع لم تقترن بأي لون من ألوان الغش أو التدليس أو الاحتكار أو استغلال استرسال المشتري وجهالته أو ضيقه وحاجته لإغلاء السعر عليه.
وقد ناقش المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 – 6 جمادى الأولى 1409 الموافق 10 – 15 ديسمبر 1988 موضوعَ تحديد أرباح التُّجَّار فقرر ما يلي:
أولًا: الأصل الذي تقرِّرُه النصوص والقواعد الشرعية تركُ الناس أحرارًا في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم، في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها؛ عملًا بمُطلق قول الله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 188].
ثانيًا: ليس هناك تحديدٌ لنسبة معينة للربح يتقيَّد بها التجار في معاملاتهم، بل ذلك متروكٌ لظروفِ التجارة عامة، وظروفِ التاجر والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآدابُ الشرعية من: الرفق، والقناعة، والسماحة، والتيسير.
فإن ناسب هذا الحلُّ اقتصاديًّا فلا حرج فيه شرعيًّا. والله تعالى أعلى وأعلم.

———————————

(1) أخرجه البخاري في كتاب «المناقب» باب «سؤال المشركين أن يريهم النبي صلى الله عليه وسلم آية فأراهم انشقاق القمر» حديث (3643).
(2) ما جلب من إبل و غنم و متاع للتِّجارة. «المعجم الوسيط» (جلب).
(3) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/376) حديث (19381).
(4) ##.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   02 الربا والصرف

فتاوى ذات صلة: