حول زواج زانية بمن زنى بها

شيخي الفاضل صلاح الصاوي، أعدك بإذن الله بأن يكون كلامي واستفتائي هذا هو الأخير، أريد أن أنسى الألم من أيام المعاصي التي قضيتها، أريد أن أُرْضِي ربي، ولا أخسر ديني أو نفسي، فوالله إني لأمتنع عن الطعام والشراب، فلا أدري كيف أنا الفتاة التي يضرب الجميع المثل بأخلاقها كيف لها أن تزني، صحيح أنني قد زنيت مع خاطبي وتبت، لكني لا أنسى ذلك، وأبكي يوميًّا على ذنبنا وأحس أن الله لن يغفر لنا أبدًا.
لقد أدخلني المذهب الإباضي بوسوسة لا بداية ولا نهاية لها، والغريب أني راسلت عالمًا إباضيًّا وأباح لي زواجي من خاطبي، بقوله: إن التوبة تجُبُّ ما قبلها من زنا. وبأنني تبت وخاطبي فعدنا مؤمنين ونكاحنا حلال، وأخبرني أنهم يشددون بنكاح الزاني لمزنيته سدًّا للذريعة، لكن عدت لوساوسي مرة أخرى، وأعود وأقول لكن أم المؤمنين عائشة وابن مسعود والبراء بن عازب قالوا: إن من زنا بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان ما لم يفترقا(1). لكن وردت آثار أخرى عنهم وخاصة حديث من عائشة ضعيف عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن رجلا زنا بامرأة ثم أراد أن يتزوجها، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْـحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْـحَلَالَ». وكذلك وردت آثار عن ابن مسعود وعلي بأنه حلال بعد التوبة، ولكن لم أجد أثرًا مثل ذلك للبراء بن عازب، لكنه صحابي واحد وقوله ليس حجة، أريد أن أفتح حياة جديدة، فهل لي أن أطرد وسواسي هذا وألا أتدخل في الأمور المعقدة هذه؟ وهل لي أن أتبع فتواك وفتوى أهل السنة والشيعة وكل المذاهب الإسلامية التي تبيح زواجنا بعد التوبة إلا المذهب الإباضي؟ هل لي باتباع هذه الفتوى وأتزوج بخاطبي وأستر نفسي وأنسى الماضي الأليم؟
لن يحاسبني ربي ولن يعاقبني بناء على المذهب الإباضي أليس كذلك؟ فأنا تائبة إليه ولست زانية وليس خاطبي زانيًا، فكلانا تبنا، والرسول قال: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»؛ أي أن تحريم النكاح من الزناة كان وهم زناة، أي حين زناهم، أما بعد التوبة فرجعنا مؤمنين، فهل لي كلما أتاني ذلك الوسواس أن أستغفر ربي وأعود لحياتي الطبيعية؟ هل هذا يعتبر اتباعًا للأيسر في الفتاوى؟ فأنا رأيت الأدلة، فكلها تشير إلى أن الفتوى بأن زواجنا حلال بعد التوبة هي الصحيحة لكثرة الأدلة. فهل لي أن أتبع القول الراجح لكثرة الأدلة أم أن اتباع القول الذي يقول بأن نكاحنا حلال بعد التوبة يعتبر اتباعًا للأهواء وللأيسر؟ فأنا رأيت الأدلة، وكثير من الصحابة أباحوا هذا النكاح بعد التوبة، ومَنْ حرَّمَه مطلقًا قد يكون حرمه لمن لم يتوبوا، فيكون زواجهم استمرارًا للزنا بينهم، فهل لي باتباع الفتوى التي تقول بأن نكاح الزاني بمزنيته بعد التوبة حلال؟ وهذا ليس من اتباع الأهواء أو الأيسر أليس كذلك؟ بل إنه حتى الأدلة تشير إلى أن هذه الفتوى هي صحيحة وكذلك كثير من الصحابة أقروا بهذا مقابل ثلاثة منهم قالوا هما زانيان أبدًا، وقد يكون مقصودهم إذا لم يتوبا.
وقد ورد عن ابن مسعود في رواية أخرى بإباحة هذا الزواج بعد التوبة، فهل لي أن أتبع هذه الفتوى وأنسى الدين والمذهب الإباضي؟ وهل لي ألا أحتاط لديني باتباعي لفتواهم؟ ففتواهم تستمد من الأحوط وليس الأرجح، فهم يجعلون القول الراجح هو القول الأحوط، ولا يتبعون الأدلة، فمثلًا عند الإباضية إذا كل الصحابة اتفقوا على أن أمرًا ما هو حلال لكن صحابيًّا واحدًا عارضهم وقال هو حرام فالإباضية تأخذ بقول ذلك الصحابي الذي حرم هذا الأمر، ولا تأخذ بأقوال الجماعة من الصحابة الذين أباحوه، وقد يكون ذلك الصحابي الوحيد الذي عارضهم مخطئًا، لكن الإباضية تتمسك بقوله ويحرمون ذلك الأمر بحجة تقديم التحريم على التحليل، ويضربون عرض الحائط بالقول بالإباحة الذي قاله باقي الصحابة، أرجوك هل لي أن أنسى ذلك المذهب؟ وهل يجبرني ربي على اتباعه؟ هل لي أن أنساه وأرتاح بحياتي وديني؟ أشعر بأنني إذا استمر بي الحال هكذا فسأخسر عقلي ثم ديني ثم كرامتي ثم خطيبي ثم شرفي ثم أهلي ثم حياتي.
باختصار شديد، بحسب الأدلة كلها في الدين، فهل يجوز نكاح الزاني لمزنيته بعد التوبة الصادقة من كليهما؟ وهل هذه الفتوى تعتبر هي الحق مع الأدلة؟ وهل لي باتباع هذه الفتوى ونسيان المذهب الإباضي؟ وهل اتباع هذه الفتوى يعتبر بأني أتبع أهوائي أو الأيسر والعياذ بالله؟ وما هو اتباع الرخص الشرعية المحرم في الدين؟ واتباعي للفتوى التي تقول إن زواج الزاني بمزنيته حلال بعد التوبة لا يعد اتباعًا للرخص الشرعية المحرمة أليس كذلك؟! لأنه توجد الأدلة الكثيرة بأنه مباح بعد التوبة، بل حتى بدونها؛ لأن نكاح الزناة تم تحريمه على المؤمنين، وأما نكاح الزناة بين الزناة فهو ليس بحرام؛ لأن القرآن يقول: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ  [النور: 3]. والرسول يقول: «الْـمَجْلُودُ لَا يَنْكِحُ إِلَّا مَجْلُودَةً»؛ أي حتى قبل التوبة هو حلال بين الزاني ومزنيته، هل لي بنسيان الماضي ورميه بعيدًا؟ ولن يحاسبني ربي لأني قرأت فتوى الإباضية ولم أتبعها أليس كذلك؟
أشكر جهدك، وبارك الله بك، وما أجمل سعة صدرك، كيف تحتوي الناس من أمثالنا، فقد رأيت كم تبذل في جهد لأجل تقديم الفتوى لنا ومواجهة آلامنا ووساوسنا، أشكرك وأتمنى لو كان لي أب أو عم رجلًا متدينًا يحافظ ويفهم في الدين ويكون خيرًا لنا، لكن لا بأس بإذن الله أنا سأكون كذلك لأبنائي، وشكرًا لك لكونك قدوة حسنة لنا، أعتذر لكثرة مراسلتي لك، وأتمنى أن تكون هذه المرة الأخيرة التي أراسلك بها بسبب الوسوسة التي سأعمل على طردها، والسلام ختام.

————————–

(1) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (7/156) حديث (13662).

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فعجيب أمرك يا بنيتي، تقولين: «وهل لي أن أتبع فتواك وفتوى أهل السنة والشيعة وكل المذاهب الإسلامية التي تبيح زواجنا بعد التوبة إلا المذهب الإباضي؟ هل لي باتباع هذه الفتوى وأتزوج بخاطبي وأستر نفسي وأنسى الماضي الأليم؟!»
ثم تقولين: »الغريب أني راسلت عالمًا إباضيًّا وأباح لي زواجي من خاطبي بقوله: إن التوبة تَجُبُّ ما قبلها من زنا، وإنني تُبْتُ وخاطبي فعدنا مؤمنين ونكاحنا حلال، وأخبرني أنهم يشددون بنكاح الزاني لمزنيته سدًّا للذريعة».
فبِناءً على قولك هذا: قد اتفق السواد الأعظم من الأمة على جواز نكاحكما: السنة جميعًا، والشيعة جميعًا، وبعض علماء الإباضية، فمن أين يمكن أن تأتي الشبهة المعتبرة؟! وكيف تشككْتِ في موقف السواد الأعظم بقلة مفارقة له من الإباضية؟!
وإذا رجعنا إلى الأدلة: آية سورة «النور» تحرِّمُ النكاح بالزانية والزاني ما داما بهذا الوصف، فكيف يُستدل بها على بقاء هذا التحريم بعد تبدُّل الوصف بالتوبة؟!
وفي الحديث: »إِذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ عَادَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ»‏‏(1). أليس في هذا تأكيد على تبدُّل الوصف بالخروج من العمل؟ وأظهر صور الخروج هي التوبة؟!
والاختلافات في الآثار المنقولة عن الصحابة دعيها إلى علمائها، لقد استفتيت أهل العلم فجاءتك الفتوى، ولكنك تأبين إلا أن تأخذي دور المفتي والمجتهد والفقيه الذي يجمع بين الأدلة، ويُوفِّقُ بين الآثار، ويُعْمِلُ فيها آلة الاجتهاد، ليستنبط منها بنفسه، وهيهات هيهات، فليس ذلك إليك؛ لأن إمكاناتك العلمية لا تؤهلك لذلك، والدليل هذا التخبط والشتات، وتلك المخالفة لما عليه السواد الأعظم من الأمة، وهذه المحرقة التي لا يخبو سعيرُها ولا يهدأ أُوارها.
وإن تعجبي فعجب قولك: «وأبكي يوميًّا على ذنبنا، وأحس أن الله لن يغفر لنا أبدًا». أليس هذا سوء ظن بالله عز وجل؟! وقنوط من رحمته؟! ويأس من روحه؟! وقد قال الله تعالى:  قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: 56]، وقال تعالى:يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: 87].
والخلاصة: اخرجي من هذه المحرقة، ومن هذا الضياع الفكري، لقد قلت لك إنك تتوهمين موقفًا شرعيًّا لا صلة له بالشرع، ثم تُقيمين بعد ذلك الجنائز الكربلائية؟!
بطبيعة الحال ليس عندي استعداد للكتابة في هذا الموضوع بعد هذه الفتوى، فإن كان في صدرك حرج منها فاتجهي إلى غيري، وأسأل الله لي ولك التوفيق، فلا أملك لك إلا الدعاء، فقد أبلغتك، وأبرأت ذمتي، وليس عندي جديد أضيفه، وقد أبلغتك ونصحت لك من قبل عدة مرات، وفصلت لك القول تفصيلًا في العديد من الإفتاءات، ولست على استعداد للمشاركة في هذه المحرقة، أو أن أكون وقودًا لها، والله تعالى أعلى وأعلم.

——————————–

(1) أخرجه أبو داود في كتاب «السنة» باب «الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه» حديث (4690)، والترمذي في كتاب «الإيمان» باب «ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن» حديث (2625)، والحاكم في «مستدركه» (1/ 72) حديث (56)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا برواته وله شاهد على شرط مسلم». وذكره الألباني في «السلسلة الصحيحة» حديث (509).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 النكاح

فتاوى ذات صلة: