زوجة موسوسة بين طلاق زوجها لها هازلًا وإخبارِه كذبًا، وتلح عليه في معرفة نيته(1)

الشيخ صلاح جزاك الله خيرًا، أنا متزوجة منذ عدة سنوات، بعد أيام من العقد الشرعي كنت أتحدث مع زوجي فقال لي بتعجب: «طالع طالع طالع». وهذه كلمة عندنا بالخليج تقال عند التعجب، بمعنى «شوف شاهد انظر»؛ أعني أنها بعيدة عن الطلاق، أنا وقتها سمعتها «طالع»، بعدها وسوس لي الشيطان أن هناك احتمالًا أن تكون «طالق»، فاستعذت من الشيطان ونسيت الموضوع، إلى أن جاء يومٌ أخبرني فيه زوجي أنه لم يكن يعلم أن الطلاق يقع بالهزل، فتذكرت الموقف وسألته عنه ونفى، وقال: أنا أتذكر الموقف؛ حيث إننا كنا بهذا المكان وقلت لك: «طالع» استنكارًا، لكن لم يهدأ لي بال؛ حيث اتضح أنه لا يعلم أن الطلاق يقع بالهزل، فجاء في بالي أنه قد يكون نطقها بالهزل، وألحَحْتُ عليه في السؤال حتى أغضبته، لا أعلم بعدها ما قال، عندما رجعنا للبيت أمسك المصحف وحلف عليه أنه قال: «طالع».
انتهى الموضوع وصدقته، لكن بعد فترة قرأت عن حكم الإقرار كذبًا بالطلاق؛ لأني وقتها (عندما حدث الموقف) لم أكن أعلم أن هناك حُكمًا للذي يكذب في الطلاق، لكن بعدما علمت استشكل عليَّ الأمر؛ حيث كنت أقول له: أنا إلى الآن لم أقتنع أنك لم تقُلها فلا أعلم هل قلتها أم لم تقلها (كنت حريصة وقتها ألا يتلفظ باللفظ الصريح)، فماذا ردَّ علي، لا أعلم هو واحد من هذين الردين إما أنه قال: «نعم أنا قلتها»، ويقصد «طالق» أو قال: «أنت كأنك تودين أن أقول لك أنني قلتها» ويقصد «طالق» فأنا لست متيقنة، وأحيانًا يغلب على ظني أنه قال: «نعم قلتها» ومرات فقط أشك، سألته عن الموقف قال أنه لا يتذكر، لكن المؤكد أنه لم يقل: «نعم قلتها». قال: «ربما قلت أنت تريدين أن أقول لك نعم قلتها»، ما العمل الآن؟ هل يترتب حكمٌ على ما قال؟ وما حكم ما قال؟ هل يُعتبر إقرارًا كذبًا أم إنشاءً؟ وماذا عليَّ؟ هل غلبة الظن لها حكم اليقين؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فأبدأ بتسجيل أسفي وألمي وحزني على هذه المضاجرة والإلحاح العجيب، ولم يزل بك شيطانك ووسواسك حتى أوقعك في هذه الحفرة من الشكوك والريب، لماذا كل هذا يا أمة الله؟! لماذا تسعين لإغراق سفينة حياتك بيدك؟! لماذا تُطلقين بيدك الرصاصَ على ساقك؟! لماذا تَحْتَسِين السُّمَّ بيدك؟ أما كان لك مَقْنَع بعد أن حلف على المصحف أنه ما قالها؟ أظننت أنك أتقى لله منه؟! وأحرص على سلامة الحياة الزوجية وشرعيتها منه؟!
ولم يزل بك هذا الوهم يُطارُدِك ويحملك على الاستقصاء، والمضاجرة، والإلحاح المستفز والموجع، حتى دفعت بزوجك إلى أن يقول ما قال. وماذا كنتِ تتوقعين من أي رجل في الدنيا تلحُّ عليه زوجته هذا الإلحاح، وتكذبه هذا التكذيب، وتظنُّ به هذا الظن- إلا أن يُلقي بقنبلة في وجهها لتسكتها، وتعلِّمُها كيف تصمت، وكيف لا تتجاوز حدها وتبغي في مواقفها؟!
وبعد هذه الزفرة من الألم أقول لك:
إن العصمة الزوجية الثابتة بيقين لا تزول بالشك في وقوع الطلاق، فإن كان الزوجُ لا يذكر ماذا قال، وكنت متردِّدة بين أن يكون قد قالها منشئًا لطلقة بسبب هذا الإلحاح والمضاجرة، أو قال مخبرًا فقط عن حالتك العجيبة، ومنكرًا لها، كأنه قال: إن كنت تريدين أنني قد قلتها، نعم فقد قلتها، فمع مثل هذا التردد لا يقع الطلاق.
فأغلقي ملف هذا الأمر إلى الأبد، ولا تُعيدي فتحه، ولا تدخلي على مواقع الفتوى التي تتحدث عن الطلاق، ولا تقرئي في مسائله حتى لا تُورثك الحيرة والشتات، فإن العلم يحتاج إلى مُعلم، وهذا العلم الذي استفدته من هذه المواقع هو العلم الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَع»(1).
تعلمت حكم طلاق الهازل فأوقَعِك في محنة، تعلمت حكم طلاق من يخبر بالطلاق كاذبًا فصارت المحنة مضاعفة، فاعتزلي هذه المواقع، وإن أردت العلمَ فابحثي لك عن مُعلِّم، وإن نزلت بك نازلة فسلي عنها من تثقين في دينه وعلمه واتبعي قوله، وأسأل الله أن يصلح لك الحال، وأن يأخذ بناصيتك إلى ما يحبه ويرضاه. والله تعالى أعلى وأعلم.

——————————

(1) أخرجه مسلم في كتاب «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» باب «التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل» حديث (2722) من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   06 الطلاق

فتاوى ذات صلة: