بعد مشادة زوج يخبر زوجته بأن تعتبر تهديده لها طلاقًا

أثناء مشكلة مع زوجتي هددتها كثيرًا وقلت: «سأنهي علاقتنا وسأتركك»؛ لأخوفها فقالت لي: «ماذا تقصد؟! ستطلقني؟» فقلت لها: نعم. قالت لي: «طيب قلها». وألحَّتْ، قلت لها: «اعتبري كده» أو «اعتبري نفسك كده» لا أتذكر ولكنني لم أنطق اللفظ الصريح، وقلت هذا لإسكاتها فقط، دون نية الطلاق، وقد أفتاني شيخ أنه لا يقع طلاق، ولكنني أثق بحضرتك.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فكم يُؤسفنا اللجوء إلى هذه الأساليب في إدارة الأزمات داخل بيوت المسلمين، فلا تهديدُ الزوج زوجته بالطلاق بالسبيل الأقوم للتوجيه، وتسيير الأمور داخل البيت المسلم، وهي وصية رسول الله في بيته(1)، وقد تعبَّده الله بإكرامها وحسن عشرتها، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَا أَكْرَمَهُنَّ إِلَّا كَرِيمٌ، وَمَا أَهَانَهُنَّ إِلَّا لَئِيمٌ»(2). ولا استفزازُ المرأة زوجها وإلحافُها عليه في طلب الطلاق بالسبيل الأقوم الذي تسلكه المرأة المسلمة في حلِّ خلافاتها مع زوجها، وقد تعبدها الله جل وعلا بحسن التبعل لزوجها(3)، وبيَّنَ لها أنه لو كان آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمر المرأة أن تسجد لزوجها(4).
أليس مريرًا أن يكون الخصوم يُدمرون الأمة من خارجها، ونتكفل نحن بتدمير بيوتنا من داخلها على هذا النحو؟! ليلتقي التدمير الخارجي مع التدمير الداخلي في مشهد مأساوي أسيف؟!
وبعد هذه الزفرة من الألم، فالظاهر يا بني أن هذه العبارة في هذا السياق من كنايات الطلاق، وكنايات الطلاق لا يقع بها الطلاق إلا مع النية، وحيث انعدمت النية إلى الطلاق فلا طلاق. والله تعالى أعلى وأعلم.

———————————

(1) ففي الحديث المتفق عليه؛ الذي أخرجه البخاري في كتاب «النكاح» باب «الوصاة بالنساء» حديث (5186)، ومسلم في كتاب «الرضاع» باب «الوصية بالنساء» حديث (1468)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ؛ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا».
وأخرج الترمذي في كتاب «الرضاع» باب «ما جاء في حق المرأة على زوجها» حديث (1163)، وابن ماجه في كتاب «النكاح» باب «حق المرأة على الزوج» حديث (1851)، من حديث عمرو بن الأحوص رضي الله عنه: أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه وذكَّر ووعظ ثم قال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ؛ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْـمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، إِنَّ لَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوَطِّئَنَّ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِـمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ». وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
وأخرج أحمد في «مسنده» (2/ 439) حديث (9664)، وابن ماجه في كتاب «الأدب» باب «حق اليتيم» حديث (3678) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْـمَرْأَةِ».وذكره الكناني في «مصباح الزجاجة» (4/ 103) وقال: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات».
(2) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» (13/ 313) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(3) فقد أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» (6/ 421) حديث (8743)، وابن عبد البر في «الاستيعاب» (4/ 1787 – 1788) حديث (3233) من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها: أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي، إني وافدة النساء إليك، وأعلم نفسي لك الفداء أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأيي، إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم ومقضى شهواتكم وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فُضلتم علينا بالجُمع والجماعات، وعيادة المرضى وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا أخرج حاجًّا أو معتمرًا ومرابطًا حفظنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم وربينا لكم أولادكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: «هَلْ سَمِعْتُمْ مَقَالَةَ امْرَأَةٍ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ مَسْأَلَتِهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا مِنْ هَذِهِ؟». فقالوا: يا رسول الله، ما ظنننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها: «انَصْرِفِي أَيَّتُهَا الْـمَرْأَةُ وَأَعْلِمِي مَنْ خَلْفَكِ مِنَ النِّسَاءِ أَنْ حُسْنَ تَبَعُّلِ إِحْدَاكُنَّ لِزَوْجِهَا وَطَلَبَهَا مَرْضَاتَهُ وَاتِّبَاعَهَا مُوَافَقَتَهُ تَعْدِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ». فأدبرت المرأةُ وهي تهلل وتكبر استبشارًا.
(4) فقد أخرج الترمذي في كتاب «الرضاع» باب «ما جاء في حق الزوج على المرأة» حديث (1159) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْـمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا». وقال الترمذي: «حديث حسن».

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   06 الطلاق

فتاوى ذات صلة: